الصفحة 47 من 214

الرؤساء الدول وحكوماتهم. ليس هناك ما هو أوضح على ذلك من بروسيا؛ حيث لعبت الحرب دورا بارزا في هذه العملية.

شهدت بروسيا تحولات سياسية كاسحة نتيجة لأحداث عام 1848؛ حيث احتفظ القيصر] المهزوز فريدريش فيلهلم الرابع بعرشه، ولكن الشعور الليبرالي - القومي لم يتعارض مع تأسيس برلمان شكل فيها بعد تحديا لسلطة الملك المطلقة. ومنذ منتصف ذلك القرن، أدرك رئيس وزراء بروسيا أوتو فون بسارك أن من الحمق محاولة ممارسة القمع المباشر ضد هذه المؤسسات النيابية. وإذا أريد المحافظة على وضع النظام الملكي لفترة

طويلة فإن ذلك لن يتحقق إلا من خلال برلمان منتخب. وكما قال أوتو فلانه Oto Pflanze: «كان بسارك الجراح السياسي الذي أقدم على بتر ساق القومية بعيدا عن جسد الليبرالية» ، معربا عن اقتناعه بأن «القومية قد تتحول بالفعل إلى قوة مناوئة لليبرالية» . (1)

كان هذا الهدف هو الذي دفع بسارك إلى الزج ببروسيا في الحرب في ثلاث مناسبات مختلفة. ففي كل حالة كان هدفه الأسمى هو تحديد هوية الدولة البروسية بناء على القومية الألمانية، ومن ثم استلاب أحد أهم مظاهر المشروع الليبرالي، وحشد الدعم الشعبي وراء النظام الملكي، وهو ما حقق نجاحا كبيرا فيه. فالانتصار على الدنمارك في عام 1864 وضع دوقتي شليز فيج Schleswig وهولز تاين Holstein في فلك ألمانيا وسط ترحيب شعبي كبير. وبعدها بعامين، نجحت بروسيا في هزيمة النمسا في معركة سادوفا Sadowa، ومن ثم تركيز عملية الوحدة الألمانية على برلين بدلا من فيينا. وبعدئذ نجح بسارك في عام 1870 في دفع فرنسا نحو إعلان الحرب على بروسيا بسبب قضية الخلافة الإسبانية الشائكة. وأدت الحماسة القومية إلى حشد الولايات الألمانية الصغيرة المختلفة وراء قضية بروسيا، بما أدى إلى حرب كبيرة بين فرنسا وألمانيا، استغلها بسمارك في ترفيع فيلهلم الأول، ملك بروسيا، إلى مرتبة الإمبراطور الألماني. علاوة على ذلك، وبينما كان بسارك يخطط لهذا الأمر، فقد نجح في تجنب أي خطوات من شأنها التسريع بحرب أوروبية على نطاق واسع. والحقيقة أن جيران بروسيا كانت لديهم شكوك قوية تجاه محاولات رئيس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت