الصفحة 67 من 214

جرى التوصل إلى نقطة عالية خلال عهد بسارك الذي امتلك - حسب رأي آيزياه برلين - قدرة غير عادية على استيعاب «المناخ العام الذي يعمل فيه» ، أي «ردود الأفعال المحتملة للأطراف المعنية، سواء الألمان أو الفرنسيون أو الإيطاليون أو الروس» (31) . وكان حسن تقديره لمثل هذه الأمور هو الذي جعل الحرب وسيلة قابلة للمارسة من أجل توحيد ألمانيا رغم أنف الشكوك والمنافسة الأوروبية، بينما كان من شأن تركيز مولتکه الفني على استخدام القوة، لو ترك وشأنه، أن يخلق من المشكلات السياسية أكثر مما يحل. علاوة على ذلك، كان بسيار حکيم با يكفي لأن يدرك أن الإمبراطورية التي أسسها عام 1871 لابد من أن تسعى للدفاع عن نفسها من خلال سياسة حريصة على تجنب الحرب أكثر من حرصها على فرض إرادتها بالوسائل العسكرية. ومن المؤكد أن مايکل هوارد كان محقا في رؤيته أن «الفضل كله يعود إلى حنكة بسارك السياسية في ألا تظل انتصارات مولتکه عقيمة مثل انتصارات نابليون، وأن تؤدي کا يجب أن تفعل الانتصارات العسكرية بما أنها أكثر من مجرد مجازر مروعة، إلى سلام أكثر استمرارة» . (32) وبعد ذلك، تدهورت الأمور بسرعة. فقد ظل المحتوى الفني للاستراتيجية الفيلهلمية قوية كعهده دائما، ولكنه بدأ يفقد قيمته بعد عام 1871 عندما بدأت الدول الأوروبية الأخرى تعمل على سد الفجوة في هذا الشأن. وفي ظل هذه الظروف، لا يكفي أي إعداد فني لتعويض حقيقة أن الإمبراطور الجديد، خلافا لبسارك، لم يتمتع باستيعاب «المناخ العام الذي كان يعمل فيه» . وكانت ألمانيا بحاجة ماسة إلى الحلفاء الذين فقدتهم بسبب ألاعيبه، مثلما كانت أيضا بحاجة ماسة إلى استراتيجية لا تضيف أعداء جدد في حالة اندلاع حرب ما. ولذلك، فإن انهيار البعد السياسي للاستراتيجية الفيلهلمية كان بالفعل تطورا كارثية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت