الاستمرار في الاحتفاظ بعدد كبير من المجندين الذين يستدعون إلى الخدمة بعيدا عن مزارعهم حتى أجل غير مسمي؛ إذ إن بقية السكان المدنيين يظلون بحاجة إلى الطعام. هذه المشكلة الأخيرة تزداد تعقيدة بسبب آثار الحرب المدمرة على أنماط التجارة القائمة، لأنه لا توجد أمة أوروبية واحدة (باستثناء روسيا) لديها اکتفاء ذاتي من المواد الغذائية. بل إن بلوش ذهب في توقعاته إلى حد التكهن بحدوث مجاعات في نتيجة حتمية للحرب، وسط احتمالات مخيفة لإمكانية نشوب ثورة في أعقاب تلك المجاعات.
ومع أن بلوش تنبأ بدقة بالمشكلات الاستراتيجية المترتبة على التطورات العسكرية والفنية الحديثة فقد شطح بعيدا فيما يتعلق بالتداعيات الاقتصادية والسياسية. فعلى رغم طول الحرب العالمية الأولى لم يحدث انهيار أوروبي عام من النوع الذي كان يخشاه. الأمر المؤكد هو أن إرادة الدول واقتصاداتها تعرضتا لضغوط شديدة بسبب استهلاك القوة العاملة والمواد دونها رحمة، ولكن لم يحدث انهيار درامي وراء الخطوط الأمامية إلا بعد انهيار الإمبراطورية الروسية في عام 1917. أحد أسباب ذلك هو نجاح الدول في التدخل في عملية إدارة اقتصاداتها في وقت الحرب. فقد نجحت سياسات ترشيد الإنتاج الحربي، بالإضافة إلى التشدد في تقنين الاستهلاك المدني، في إطالة أمد الموارد إلى الحد الذي أصبح معه وقف الحرب معلقا على الانتصار العسكري بدلا من إحساس الأطراف المتحاربة بالإنهاك. وبغض النظر عما ذكره الجنرالات الألمان لاحقا، فإن المؤكد أن الجيش الألماني تمدد إلى أقصى مداه مع نهاية عام 1918، ومن ثم كان من المؤكد أنه سينهار تحت وطأة هجوم آخر للحلفاء لولا توقيع اتفاق الهدنة.
الحرب الشاملة
إذا كانت عملية التعبئة قد أثبتت قدرتها على تحمل فاتورة الحرب فإنها فشلت في تخفيف الهواجس المتعلقة بالتكهن بالنزاع المستقبلي. فتدبير تكاليف الحرب بين عامي 1914 و 1918 لا يعني أنها كانت عملية سهلة، أو أن من الممكن التفكير بعقل هادئ في خوض حرب أخرى. وبالفعل، يذهب المفهوم الجديد للحرب"الشاملة"الذي ظهر بين الحربين إلى أن تكاليف أي