الصفحة 8 من 214

أفضل قاعدة ممكنة لتقييم القضايا الاستراتيجية. وعلى النقيض، لا يحظى التفوق الأكيد من حيث الوسائل الفنية بأهمية كبيرة تقريبا كما ظل كثير جدا من الاستراتيجيين يعتقدون على مر السنين. ولا يقتصر الأمر على الصعوبة الشديدة في المحافظة على هامش محدد للتفوق العسكري والفني عند مواجهة عدو لا ينقصه التصميم والحيلة، بل إن أشد القوى فتكا يمكن أن تكون من دون قيمة - إن لم تكن حتى ضارة بالأهداف السياسية - إذا لم

فهم العدو بصورة جيدة. وحربنا في كل من العراق وأفغانستان أكبر دليل على ذلك؛ فعلى الرغم من تمتع الولايات المتحدة الأمريكية بهامش كبير من التفوق العسكري والفني في بداية الحرب، فقد واجهت هي وحلفاؤها صعوبة كبيرة في الخروج منها بأي نتيجة ذات قيمة سياسية. ويعد عجز المبادرات الفنية عن التعويض عن الافتقار إلى فهم العدو رسالة رئيسة لهذا الكتاب. هذه الرسالة ليست جديدة بأي حال، ولكن الصعوبات التي واجهناها في الحرب ضد الإرهاب"تقتضي تكرار تلك الرسالة مرارة."

غير أنه بالعودة إلى كتب الاستراتيجية المتراصة على أرفف المكتبات، يتبادر إلى الذهن سؤال: ألا تغني تلك الكتب عن إصدار كتاب آخر؟ لقد ألف هذا الكتاب انطلاقا من اقتناعي بأنه لاتزال هناك فجوة لابد من سدها بين ما أعتبرهما أكبر مدرستين في شؤون الاستراتيجية: الأولى حريصة على وضع توصيات حول العمل الاستراتيجي اعتمادا على استدلال منطقي، ينطلق هو نفسه من مجموعة من النظريات أو الفرضيات الخاصة بديناميات عملية صنع القرار الاستراتيجي. وهذا يعني أنها تقوم على اقتراب يستند إلى نظرية المباراة، ومحاولة تنظير الردع خلال حقبة الحرب الباردة. ورغم ندرة تلك النظريات وتعقيداتها، فإنها تعجز عن التعامل بصورة كافية مع التحدي المتمثل بتحويل النظرية (من خلال تطبيق حسن التقدير) إلى واقع في أي سياق سياسي. وللخروج بقياس لاذع بعض الشيء، يمكن تشبيه البني الاستراتيجية التي أنشئت على الأسس التي طرحتها هذه النظرية بالكاتدرائيات النموذجية القائمة على أعواد الكبريت التي يشاهدها المرء في صالات المعارض: إتقان في الصنعة، ولكن من دون لمسة فنية حقيقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت