و اذا كنا فيما سبق قد راينا حالهم في وقت الشدة فان رؤيتهم اليوم في حال الرخاء النسبي مما يكشف عن الوجه الآخر من الصورة .. فالرخاء والشدة هما المختبران لكل دعوي کلامية أو أمان نظرية .. وهو أمر يصدق على الأفراد والحكومات والمذاهب وحتى المؤمنين بالله أنفسهم، فان الله لا يرضى منهم هذا الايمان القولي حتى يختبرهم فيه: «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» 0
ولقد رأيناهم في حالين من الرخاء احداهما، أكبر من اختها، الأولى وهم في داخل السجن، ولها أسباب سنوضحها، والثانية بعد الافراج عنهم جميعا في أوائل مايو سنة 1964 حيث جرت احتفالات السد العالي في 10 مايو بحضور خروشوف الذي كان يزور مصر لأول مرة.
واذا كان من السهل أن نسجل ما أصابهم من تغير في أعقاب موجة الرخاء النسبي داخل الأسوار، فان من أصعب الأشياء أن نسجل ما اقترفوه في حق كل المبادئ الانسانية، وفي حق الحرية اثر تبوئهم لأجهزة الاعلام في مصر حتى صنعوا الهزيمة في نفوس الأمة قبل أن تصبح واقعا على الأرض مما يحتاج كشفه لجهود كبيرة .. وخير ما قرأته من تعقيب على ما نزل باليسار المصري مؤخرا، هو: «أن اليسار المصري يحصد ما زرع» .. ولقد زرع الكثير من الأشواك التي ادمت قلوب الأمة وحطمت مقوماتها الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية .. مما يحتاج لزمن طويل لتلاف آثاره .. ويحتاج لما هو أكثر وأبقى من كل أنواع الإجراءات. الى الحرية الحقيقية .. .. حيث يختنقون فيها كما يختنق الظلام في النور ..
* حسبنا اليوم تسجيل حالة الرخاء النسبي داخل الأسوار .. وقد جاءت في أعقاب عدة حوادث حرنا باديء الأمر في تفسيرها. فصل اللواء زکي شکري مدير السجون، وفصل اللواء همت وکيل المصلحة، وفصل العقيد البشلاوي وغيره من الضباط .. ولم تلبث حيرتنا أن تبددت بعد أن عرفنا السبب الذي أودى بهؤلاء والذي ادى الى ورود خطاب الادارة السجن