الصفحة 32 من 43

وفي الترجيح بين أقوال المختلفين فيما يقع به الإكراه على الكفر، رجّح ابن تيمية قول الجمهور وهو قول الحنابلة فقال (تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكرَه عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص ّ في غير موضع أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب ٍ وقيد ولا يكون الكلام إكراها) [الدفاع عن أهل السنة والاتباع- لحمد بن عتيق صـ 32] ، و [مجموعة التوحيد- صـ 419] .

والحجة لقول الجمهور هو سبب النزول، فإن عمار بن ياسر لم يتكلم بالكفر حتى عذّبه المشركون، وعلى المشهور فإن هذا هو سبب نزول قوله تعالى: {من كَفَر بالله من بعد إيمانه إلا من أكرِهَ وقلبه مطمئن بالإيمان} النحل 106، قال ابن حجر (والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر، كما جاء من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال «أخذ المشركون عمارًا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، قال: فإن عادوا فعُد» . وهو مُرسَل ورجاله ثقات أخرجه الطبري وقبله عبدالرزاق وعنه عبد بن حميد) [فتح الباري-12/ 312] .

وقد أشار البخاري رحمه الله ــ حسب عادته في التلميح ــ إلى حد الإكراه المرخص في الكفر وذلك في باب (من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) بكتاب الإكراه من صحيحه، وذكر فيه ثلاثة أحاديث:

الأول حديث أنس مرفوعا (ثلاث من كُنّ فيه وجد حلاوة الإيمان ــ ومنها ــ وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) وفيه إشارة إلى أن العودة في الكفر تعدل دخول النار بما يعني الهلاك، فلا يرخص في الكفر إلا عند خشية الهلاك وتلف النفس وهو قول الجمهور.

والحديث الثاني عن سعيد بن زيد قال: (لقد رأيتُني وإن عمر مُوثِقِي على الإسلام) الحديث، وفيه أن عمر بن الخطاب ــ قبل إسلامه ــ كان يوثق سعيد بن زيد ويقيّده ليرتد عن الإسلام، ولم يكن القيد ليرخص له في ذلك وفيه إشارة للرد على الشافعية في قولهم إن الحبس والقيد إكراه على الردة.

ثم ذكر البخاري حديث خباب مرفوعا (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه) الحديث، وفيه أثنى النبي صلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت