مجتمعية جديدة، فحصل على البيعة عشائر البدو في الشامية (الضفة اليمني النهر الفرات) وبعض العشائر الكردية في الجزيرة (الضفة اليسرى للفرات) في مقابل توزيع بطاقات هوية سورية عليهم ... إلخ. وبالمناسبة، كان بوسع عشيرة ما أن تتلاعب بنسبها وتفرعاته للتفاخر بأصل شيعي محقق والالتحاق بوساطة هذه الورقة بركب السلطة العلوية. وعلى مستوى أوسع بكثير كانت هذه الجمعية نفسها تشحن سكان الأرياف ضد المدينة التي تعد حامية الإسلام ومركز الحراك الشعبي، مثيرة لدى الذاكرة الجمعية شعورا بالكراهية والنقمة موروثة عن علاقة ضاربة في القدم للاستغلال بين الفلاح والمدينة. وبذلك كانت السلطة تلعب على قوى متوازية ومختلفة جدا على تدرجات التراتبية الاجتماعية كافة، وعلى الساحات والمستوياته كافة. وكانت بين في المناسبة نفسها، أن المسألة ليست مسألة صراع «أكثرية» ضد أقلية مسيطرة، وأنه ما من داع أبدا إلى نلوي عنق التحليل للقول إن الوضع في سورية لا يزال وضع طائفة متحكمة بأخرى. (8)
وفي قلب كل هذا نجد العنصر المحرك للنظام القائم (Systeme) (*) ... ألا وهو الجماعة، أو «العصبية) كما يسميها ابن خلدون، وسماها دوركايم «التكافل الآلي» (**) . إذا تتكون هذه «العصبية، انطلاقا من انشقاقات مختلفة تخترق، في سورية، الواقع الاجتماعي. وستتبين، خلال قراءتنا لهذا الواقع على المستويات كافة، أنها (أي العصبية) نفي للدولة. ويجب أن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(8) ذلك للرد على ادعاء الإخوان المسلمين في بناء شرعية جهادهم على حق الأكثرية المزعوم - وهو حل غير قابل للتقادم - في أن تقود مقدرات الأمة. وقد شرح ذلك جيدة إلياس مرقص في جريدة السفير اللبنانية، عدد 28 حزيران/يونيو 1981، عندما قال إنه لا يسع الأمة أن تبقى حبيسة مبدا الأكثرية هذا، وإلياس مرقم يذكر قضية جان کالاس (Clas) في فرنسا في القرن الثامن عشر حيث كانت الأمة، بكامل رضاها، متجسدة في شخص رجل واحد يدافع عنها ضد الآخرين جميعهم.
(*) [اعتمدنا ترجمة كلمة (rigine) إلى النظام الحاكم، وكلمتي (systemne) و (ordre) إلى النظام.
(9) عمومأ ما ترجم كلمة عصبية بد Esprit du corps: أو: group feeling. ولكن يمكننا كذلك اعتبار أن العصبية هي المجموعة نفسها، وابن خلدون مؤرخ مغربي معروف من القرن الرابع عشر
(**) [إميل دوركايم (1858 - 1917) : فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، من مؤسسي علم الاجتماع الحديث، وضع لهذا العلم منهجية مستقلة تقوم على النظرية والتجريب في آن معا. من أبرز أعماله: في تقسيم العمل الاجتماعي (De la division du travail Social) (1893) ، وقواعد المنهج السوسيولوجي (Is Regles de la methode sociologique) (1890) ]