تقديم
د. برهان غليون
دعاني التقديم للترجمة العربية لكتاب ميشيل سورا الدولة المتوحشة إلى العودة إلى نصوصه التي نشرت في الثمانينيات، ووجد فيها، مع مرور الزمن، وثيقة أنثروبولوجية وتاريخية نادرة تفسر الآليات والمبادئ الأولى لتأسيس نظام الأسد وعمله، وأساليب حكمه، وتعاملاته مع الرأي العام السوري والعالمي، التي لم تتغير كثيرة منذ تأسيسه في بداية السبعينيات. وعلى الرغم من مرور عقود على تأليفه، بل بالأحرى بسبب ذلك، يقدم لنا هذا الكتاب، ربما أكثر من أي كتاب آخر حديث، مفاتيح أساسية للإجابة عن سؤال: لماذا وصلت سورية إلى الوضع الكارثي الذي تعرفه اليوم؟ ان لم تخدع شعارات التقدمية والاشتراكية والعداء للإمبريالية التي كان يظهرها نظام الأسد ميشيل سورا، واكتشف، منذ مقالاته الأولى، بحدسه الرهيف، أنه لا يوجد عند الأسد مشروع آخر، لا بناء أمة ولا بناء دولة ولا إقامة عدالة اجتماعية، وإنما بناء سلطة، وتأمين وسائل القوة الكفيلة بالدفاع عنها. وفي هذا السياق اكتشف مفهوم العصبية الخلدوني الذي قاده إلى رؤية ما لم يره الآخرون من زملائه الباحثين الغربيين، والإضاءة على وقائع سوف تظهر أهميتها وصحتها بعد عقود. فالعصبية في نظر ابن خلدون هي الشرط الأول من شروط التداول الطبيعي على السلطة، أو نشوء لملكه جديد، من بين ثلاثية: العصبية والدعوة والملك. فمن دون عصبية تلحم الأفراد وتحولهم إلى جماعة متحدة وقادرة على التصرف على مسرح التاريخ كقوة متماسكة، لن يكون للسلطة عصب، أي اتساق