الصفحة 18 من 352

يشد أركانها إلى بعضها، ويؤمن إرادة القوة والتضحية التي يحتاج إليها کسب الصراع، أما الدعوة فتأتي بعدها من أجل إضفاء شرعية على كفاحها ومعركتها، وهي مجرد دعوة لا تستدعي حتمية الالتزام بها، أو هي بالأحرى وعد کوعد السياسيين الأنصارهم في زمن الانتخابات. وهذا ما كانت تعنيه الأيديولوجية القومية والاشتراكية التي تمسك بها النظام في مراحله الأولى، وتخلى عنها صراحة فيما بعد، قبل أن يتركها تذبل وتموت من تلقاء نفسها، وكذلك الحزب الذي حمل رايتها وشعاراتها. لكن الهدف من هذا وذاك هو «المملكة، أي بمصطلحاتنا السلطة والحكم، فهو الغاية الأساسية. ليست العصبية هدفا بحد ذاتها، إنما هي شرط لإنتاج العنف، الذي هو سيف السلطان، ومن دونه لا قيمة لدعوة ولا وجود لملك. لذلك كما كان طلاب السلطة والملك في التاريخ الإسلامي القديم يعرفون أن سلطتهم لن تستقيم وتستمر إلا بالشوكة، أي التفوق في استخدام العنف لردع الطامحين الآخرين وثنيهم عن التنافس على الحكم، كان الأسد الأب يدرك أنه لن يستطيع أن يفرض نفسه على خصومه ومنافسية وتأسيس سلطة تابعة له سوى بتوفير هذا العنف المنتج الشركة من خارج الدولة التي يسعى إلى السيطرة عليها، وبالتالي من دون إعادة إحياء العصبية التي هي - بالتعريف - تضامنات أهلية أولية آلية. فهي وحدها القمينة بأن توفر له العنف البدائي الأول الأعمى، والجاهز، والخارج عن القانون، والمرتبط مباشرة بعلاقة من خارج الدولة والسلطة نفسها .. حقيقة العصبية، في ما وراء وهم القرابة الذي يحركها، مذهبية كانت أم قبلية، هي المرجل الذي يقطر فيه العنف الضروري لفرض الشوكة والهيبة والذي يشكل القبض على الدولة جائزتها الأولى.

هذا ما يفسر أن الدولة السورية التي انتزعها الأسد بالقوة الانقلابية لم تعد دولة السوريين المؤسسة لتنظيم شؤونهم العامة ورعاية مصالحهم وضمان أمنهم الفردي والجماعي، وأصبحت خلال أشهر معدودة دولة الأسد القائمة لتنظيم شؤون ملکه، ونثبيت أركانه، ورعاية مصالح عصبيته، وضمان توسع نفوذ أصحابها وأمنهم. كانت هذه السلطة التي نشأت على أساس العصبية وسيلة لتبديل طبيعة الدولة نفسها وأسلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت