الصفحة 20 من 352

عملها وأهدافها وغايتها. وكي تستطيع أن تتعزز وتستمر، لم يكن أمامها إلا التوسع في إنتاج العنف لردع خصومها ومنافسيها، وأولهم الشعب نفسه الذي فقد دولته، من جهة، والتفنن في التغطية على حقيقة أهدافها وغاياتها والمصالح التي تخفيها، بتطوير أشكال غير مسبوقة من الخداع والغش والتحايل على الرأي العام المحلي والعالمي والتستر على الحقيقة، وما يترتب على ذلك من تحويل الانتهازية والوصولية والازدواجية والرياء والكذب والتلون بكل الألوان إلى الفضيلة والوسيلة الوحيدة للتعايش والاستمرار والنجاح في الحياة العامة والخاصة من جهة ثانية

هكذا بقي العنف والتوسع في إنتاجه وتنويع أشكاله وأجهزته العامل الثابت ودائم الحضور في سياسة النظام وتعامله مع كل الأطراف الداخلية والخارجية، العنف الجسدي والروحي والفكري والسياسي والعسكري، وذلك بموازاة تحول هذا «الملك» نفسه من أملك سياسي» إلى «ملك وراثي» ، وتطابق السياسة والحرب بحيث لا يمكن تمييز إحداهما عن الأخرى ولا فصلها عنها. وبالمثل ربما لم يبلغ نظام في التاريخ، مستوي من التفنن في تطوير وسائل الخداع، مستعينا بالتقنيات الإعلامية والتواصلية الحديثة، لقلب الحقائق، وتزوير الواقع، والتهرب من المسؤوليات وتحويل الضحية إلى جلاد والسارق إلى قاض، ما بلغه نظام الأسد. كان تسليط الضوء على الواقع والحديث عن الحقائق البسيطة، كما هي، أكثر ما يخشاه النظام ويسعى إلى إخفائه، لدرجة أصبح معها إنكار الحقائق بشكل فج ومباشر فنا قائمة بذاته. وهذا بالضبط ما أوقع بميشيل سورا وجعل من هذا النص الذي بين أيدينا اليوم من أغلى النصوص التي كتبت في التاريخ الحديث لأنه كلف كاتبه حياته. لقد كان كشف حقيقة النظام العميقة، أي واقع اختطاف الدولة من السوريين کشعب وكأفراد، وتحويلها إلى أداة للسيطرة وإنتاج العنف وتعميم الأكاذيب وتشويه الحقائق المستخدمة لإخضاعهم وتجريدهم من إنسانيتهم، يعني موته، ما كان يحرص النظام على إخفائه ويخشى أن يطلع عليه الناس هو ببساطة أنه كان يلعب لعبة مزدوجة ويبني من خارج الدولة والقانون وضدهما دولته وقانونه الخاصين، دولة الأسد وقانون العصبية، ويقوض أسس الدولة السياسية القائمة ويحضر الاستعمارها من الداخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت