إذا لم تخني الذاكرة، فقد دأبت منذ زمن بعيد في الاهتمام بالأسباب الكامنة وراء السلوك السياسي والاقتصادي وغيرها من أشكال السلوك الاجتماعي، ولكني لم أتبين إلا في وقت لاحق أن ما كان يستحوذ على اهتمامي له اسم محدد، وأنه يكون حقلا أكاديميا خاصا به هو: «علم النفس السياسي» . والحقيقة أنني لم أعثر على ما كنت أبحث عنه إلا عند قدومي إلى الولايات المتحدة طالب دراسات عليا. فقد نشأت في ظل النظام الجامعي البريطاني، ولا أذكر أنني سمعت بهذا المصطلح أثناء دراستي في جامعة شيفيلد (مع أن هذا الموضوع يدرس الآن، لحسن الحظ، على نطاق واسع في بريطانيا) . وقد بدأت دراستي العليا طالب اقتصاد، معتقدا أنني سأتعلم شيئا عن أسباب السلوك الاقتصادي بدراسة الاقتصاد الجزئي. وخاب أملي حين وجدت أن كثيرا من الاقتصاديين يأخذون بافتراضات مبسطة عن السلوك الإنساني - ويتعاملون معها بوصفها «مسلمات) - ويبنون عليها نموذجات نظرية مختلفة.
وهناك طرفة قديمة عن مهندس، وقسيس، واقتصادي وقعوا في حفرة عميقة، وراحوا يتجادلون في كيفية الخروج منها. وبعد شيء من التفكير خرج كل منهم بمقترح؛ فقال المهندس ادعونا نحفر حفرالمواقع أقدامنا واحدة بعد الأخرى، ويتسلق بعضنا على أكتاف بعض التمكن من الخروج». وجاء بعده القسيس ليقترح حلا روحانيا، كما يمكن أن نتوقع، وقال: «فليمسك كل منا بأيدي الأخر ونصل لله، وهو سيسعفنا بحل لمشكلتناه. ثم جاء دور الاقتصادي فأخذ برهة من التفكير، وقال للآخرين ببساطة: «افترضوا أن لدينا سلما!» وقد