للدولة. ثم أوضح المنهج في علاقته بالنظرية المطروحة، وحالة الانقسام والفجوة بين الصينيين والسوفييت، وأقيم الجدوى التجريبية للتفسير البنائي لتحول العلاقات الصينية - السوفيتية من الصداقة إلى العداوة. وأختتم ببعض الأفكار حول إمكانية المزاوجة المفيدة بين المناهج الوجودية التفسيرية والمناهج المعرفية والوضعية.
البناء الاجتماعي للهوية ومنطق التعود
التفسير البنائي للهوية الذي أطرحه هنا تفسير اجتماعي معرفي بنيوي؛ إذ أفترض أن الهوية نتاج للتفاعل الاجتماعي، وأنها ضرورة معرفية لكي يشق المرء طريقه في الحياة، وأنها كامنة في البنى الاجتماعية للحياة اليومية. وهذه النقطة الأخيرة تؤكد منطق التعود، أو الطريقة التي يعتمد بها الناس على الخبرات المسلم بها ليشقوا طريقهم في حياتهم.
الهويات ذات طبيعة علائقية (1) . وعلى المستوى الفردي نجد أن هذه الفكرة توحي بأن المرء لا يمكن أن يفهم نفسه كمذکر من دون المقارنة بالمؤنث، ولا أنه مثلي الجنس من دون المقارنة بمن يميلون إلى الجنس الآخر، ولا أنه أسود من دون المقارنة بالأبيض ... وهكذا. وهذا معناه على مستوى الدولة أن السوفييت لا يمكن أن يدركوا أنهم أوروبيون من دون المقارنة بغير الأوروبي؛ بحيث يعرفون أنفسهم من خلال التضاد معه.
والهويات تؤدي وظيفتها معرفية؛ فتساعدنا على ضمان وجود بيئة اجتماعية قابلة للتنبؤ (2) . وفي ضوء القيود المعرفية على قدراتنا على معالجة المعلومات، يصعب أن نتخيل أن نواصل العيش في الدنيا لو تخيلنا أن كل تعامل يتعامله المرء يمثل تعام"مع جنس مستقل بذاته، بدلا من أن نستجيب بطريقة معينة من بين مجموعة صغيرة من الطرق للمواقف التي نفهم أنها مشابهة لنوعية المواقف التي واجهتنا من قبل، ونضعها في نظام تصنيفي. فمنذ نعومة أظفارهم، يتعود الناس صياغة التصنيفات حتى يشقوا طريقهم في الحياة."
(3) ويحتاج البشر إلى أن يفهموا ويفهموا، وهو ما يقترن بمصادرهم المعرفية المحدودة؛ الأمر الذي يؤدي إلى ظهور الهويات كطرق مختصرة تضم الأفكار وردود الأفعال والممارسات