الخلد والبقاء السرمدي أو أن تحظى بملك لا يفنى ولا ينفد. ولاحظ معي كيف لبس الشيطان لآدم لَبوسَ النصحِ و الخير والمحبة، ولذلك فهو يريد أن يدله على شجرة تسمى شجرة الخلد، وكأنها تُعرف في الجنة و الملأ الأعلى بهذا الاسم. وبهذا الأسلوب استثار إبليس آدم وشوّقه لمعرفة هذه الشجرة ومكانها ليأكل منها فيحظى بالبقاء الأبدي."ومعلوم أن النفس الإنسانية متى تعلقت بمجهول فيه مطلب عظيم من مطالب النفس أخذت تغلي مراجلُها للتعرف عليه والوصول إليه، واستعماله لتحقيق مطلوبها العظيم. وهذا هو أسلوب التشويق للربط و الإزلاق" [1]
وتبين لآدم بعد رؤيته شجرة الخلد -كما سماها الشيطان - أنها هي ذاتها الشجرة التي نهاه الله عنها وحذره من أكلها. ولا ريب أنه حصل نقاشٌ بينه وبين الشيطان بيّن فيه آدمُ أن الله قد حرم عليه و على زوجته الأكلَ منها. و إذا قاما بهذا الفعل أصبحا من الظالمين و تعرضا للإخراج من الجنة.
لكن إبليس يتابع وسوسته لآدم ويقحم حواء في النقاش عسى أن يتخذها مطية لتحقيق نواياه الخبيثة. قال الله تعالى {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ 20} وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ {21} (الأعراف) .
يحاول الشيطان في هذه المرحلة من النقاش أن يقنع آدم وزوجته بأن الله ما حرم عليهما الأكل من الشجرة إلا لأنه لا يريد لهما أن يكونا ملَكين نورانيَّين أو من الخالدين. وأي عاقل يرفض أن يكون إما بهذه الصفة أو تلك!. لكن السبيل إلى ذلك لا يكون إلا بالأكل من هذه الشجرة.
ويبدو أن آدم كان حذرًا من الشيطان خائفًا من التردي في المعصية فطلب من الشيطان أن يقسم بالله على صدق ادعائه، فسارع إبليس بالحلف بالأيمان المغلظة على أنه من الناصحين لهما {} وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ويتابع إبليسُ خطته الشيطانية لتحقيق أمنيته في رؤية آدم مطرودًا مهينا كما حصل معه، و يبدأ بالخطوة الثالثة وهي ما أشارت إليه الآية {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ 22} (الأعراف) ."يقال لغة: دلّى الدلو وأدلاه، إذا أرسله في البئر بشطَنه أي: بحبله. ويقال: دلى الشيء في المَهواة أي أرسله فيها. أي: فربطهما بشطن من أشطانه الإغرائية الكاذبة"
(1) المرجع السابق 3/ 714.