الصفحة 12 من 18

ودلّاهما في بئر المعصية، كما يدلى الدلو في بئر ما شيئا فشيئا مغررا بهما، خداعا و تلبيسا وإطماعا بالباطل

وربما قال لهما: لا تأكلا من الشجرة ولكن ذوقا طعمها بألسنتكما.

هذه التدلية هي الوسيلة الشيطانية المتبعة عند جميع شياطين الإنس و الجن من بعد إبليس، وهي المعبر عنها بأسلوب: خطوة فخطوة، فحيلة الإغواء الكبرى هي حيلة التدلية بالخطوات المتتاليات" [1] "

و في لحظة ضعفٍ بشري تجلّى بوضوح في تلك الآونة مع رغبةٍ عارمة في الملك أو الخلود، بالإضافة إلى تزيين حواء له [2] واليمين المغلظة التي حلفها إبليس، أقول: في خضمِّ هذه الأمور مجتمعةً نسي آدم للحظاتٍ الأمرَ الإلهي وأكل من الشجرة، فتم للشيطان ما أراد واتسق له ما أمّل. {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ 22} (الأعراف) . وفي سورة طه {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ 121} . السَّوءة: العورة.

شرع آدم وزوجته في ستر ما ظهر من سوءاتهما بسبب أكلهما من الشجرة، فألصقا عليهما من ورق الجنة. والشيطان اللعين كان يعلم مسبقا أن الأكل من الشجرة سيؤدي إلى كشف العورة

{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا 20} (الأعراف) .

{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ 22} (الأعراف) . فما كان جوابهما إلا الإقرار بالذنب وطلب المغفرة والرحمة {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ 23} (الأعراف) .

وجاء الأمر الإلهي لهما بالهبوط إلى الأرض {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ 36} (البقرة) .

(1) المرجع السابق 3/ 719.

(2) تجدر الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح « ... ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها» البخاري رقم 3330. قال ابن حجر العسقلاني: و هو إشارة إلى ما وقع من حواء في تزينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم. اهـ فتح الباري 6/ 424.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت