المطلب الأول: اختلاف العلماء في حجية عمل أهل المدينة
المسألة الأولى: عمل أهل المدينة عند القاضي عياض
إجماع أهل المدينة على ضربين:
ضرب من طريق النقل والحكاية الذي تأثُرُه الكافة عن الكافة، وعملت به عملًا لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الضرب منقسم على أربعة أنواع:
-ما نقل شرعًا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم من قول؛ كالصاع والمد، وأنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ منهم بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة، وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، والوقوف والأحباس.
فنقلهم لهذه الأمور من قوله وفعله كنقلهم موضع قبره ومسجده ومنبره ومدينته، وغير ذلك، مما علم ضرورة من أحواله وسيره، وصفة صلاته؛ من عدد ركعاتها وسجداتها، وأشباه هذا.
-نقل إقراره عليه السلام لما شاهده منهم، ولم ينقل عنه إنكاره؛ كنقل عهده الرقيق، وشبه ذلك.
-نقل تركه لأمور وأحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم وظهورها فيهم؛ كتركه أخذ الزكاة من الخضروات، مع علمه عليه السلام بكونها عندهم كثيرة.
فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجة يلزم المصير إليه، ويترك ما خالفه من خبر واحد أو قياس؛ فإن هذا النقل محقق معلوم، موجب للعلم القطعي، فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون، وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين ممن ناظر مالكًا وغيره من أهل المدينة في مسالة الأوقاف والمد والصاع حين شاهد هذا النقل وتحققه.
ولا يجوز لمنصف أن ينكر الحجة بهذا، وهذا الذي تكلم عليه مالك عن أكثر شيوخنا، ولا خلاف في صحة هذا الطريق، وكونه حجة عند العقلاء، وتبليغه العلم يدرك ضرورة، وإنما خالف في تلك المسائل من غير أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذي بها.