فإن كان إجماعهم من طريق النقل ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا على ما تقدم، وإن كان إجماعهم اجتهادًا قدم خبر الواحد عليه عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم من أصحابنا [1] .
إجماع أهل المدينة على أربع مراتب:
"الأولى"ما يجري مجرى النقل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكترك صدقة الخضروات والأحباس؛ فهذا مما هو حجةٌ باتفاق العلماء، أما الشافعي وأحمد وأصحابهما فهذا حجةٌ عندهم بلا نزاع، كما هو حجةٌ عند مالكٍ، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
المرتبة الثانية:"العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان، فهذا حجةٌ في مذهب مالكٍ، وهو المنصوص عن الشافعي، قال في رواية يونس بن عبدالأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيءٍ فلا تتوقف في قلبك ريبًا أنه الحق، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنَّهُ الخلفاء الراشدون فهو حجةٌ يجب اتباعها، فالمحكي عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين حجةٌ، وما يعلم لأهل المدينة عملٌ قديمٌ على عهد الخلفاء الراشدين مخالفٌ لسنة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم."
و"المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان، كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة؛ ففيه نزاعٌ."
فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد وجهان:
أحدهما - وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيلٍ: أنه لا يرجح.
والثاني - وهو قول أبي الخطاب وغيره: أنه يرجح به.
قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال:"إذا رأى أهل المدينة حديثًا وعملوا به فهو الغاية".
(1) (ترتيب المدارك وتقريب المسالك(1/ 121 الشاملة) .