المطلب الأول: هل ينزل عمل أهل المدينة منزلة الإجماع المقطوع به؟
نُسِب إلى الإمام مالك أنه يرى أن إجماع أهل المدينة ينزل منزلة الإجماع المقطوع به، الذي لا تجوز مخالفته.
قال البزدوي:"نُقل عن مالك - رحمه الله - أنه قال: أهل المدينة إذا أجمعوا على شيء لم يعتدَّ بخلاف غيرهم" [1] .
وقال الجصاص:" (زعم قومٌ) من المتأخرين: أن إجماع أهل المدينة لا يسوغ لأهل سائر الأعصار محالفتهم فيما أجمعوا عليه [2] ."
وجاء في المسودة:"حُكي عن مالك أنه قال: إذا أجمع أهل المدينة على شيء صار إجماعًا مقطوعًا عليه، وإن خالفهم فيه غيرهم" [3] .
وقد استدل لهذه الدعوى بعدد من الأدلة، منها:
أولًا: بالآثار التي جاءت في المدينة؛ كقوله عليه السلام: (( إن المدينةَ طيبة تنفي خبثها، كما ينفي الكِير خبَث الحديد ) )، والخطأ من الخبث، فكان منفيًّا عنها.
وقال عليه السلام: (( إن الإسلامَ ليأرِزُ إلى المدينة، كما تأرِزُ الحيةُ إلى جُحرها ) )
وقال عليه السلام: (( لا يكايد أحدٌ أهلَ المدينة إلا انماع كما ينماع المِلح في الماء ) ).
والاستدلال بهذا ضعيف لأهل الحمل على الخطأ متعذر؛ لأنا نشاهد صدور الخطأ من بعض سكانها، وكونها من أشرف البقاع لا يوجب عصمةَ ساكنيها [4] .
قال إمام الحرمين: ولو اطلع مطلع على ما يجري بين لابَتَيْها من المخازي لقضى العجب [5] .
(1) (كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعلاء الدين البخاري ت: عبدالله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية ط 1(3/ 357 الشاملة) .
(2) (الفصول في الأصول الإمام أحمد بن علي الرازي الجصاص ت: د. عجيل جاسم النشمي. وزارة الأوقاف دولة الكويت ط 1(3/ 321 الشاملة) .
(3) (المسودة في أصول الفقه لآل تيمية، المدني - القاهرة، ت: محمد محيي الدين عبدالحميد.
(4) (الإبهاج في شرح المنهاج لعلي بن عبدالكافي السبكي دار الكتب العلمية - بيروت ط 1(2/ 365 الشاملة) .
(5) (نهاية السول شرح منهاج الوصول للإمام جمال الدين عبدالرحيم الإسنوي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان ط 1(2/ 91 الشاملة) .