فيه بوجه من الوجه، فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات، وحمل كل حوائجه ومصالحة من لا يبالى بحملها ولا يثقله ولا يكترث بها. فتولاها دونه وأراه لطفه وبره ورحمته وإحسانه فيها من غير تعب من العبد ولا نصب، ولا اهتمام منه لأنه قد صرف اهتمامه كله إليه وجعله وحدة همه. فصرف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه، وفرغ قلبه منها، فما أطيب عيشه وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه.
وأما من أبى إلا تدبير نفسه واختياره لها واهتمامه بحظه دون حق ربه فلا وما إخطاره وولاؤه ما تولى فحضره الهم والغم والحزن والنكد والخوف والتعب وكف البال وسوء الحال، فلا قلب يصفو، ولا عمل يزكو، ولا أمل يحصل، ولا راحة يفوز بها، ولا لذة ينتهى بها، بل قد حيل بينه وبين مسرته وفرحه وقرة عينه، فهو يكدح في الدنيا كدح الوحش ولا يظفر منها بأمل ولا يتزود منها لمعاد [1] . ا. هـ.
قال تعالى:"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" {البقرة: 116} .
وعندما ظن المسلمون في صلح الحديبية من خلال بنود الصلح والتي وافق عليها النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه البنود استسلام فأظهر المسلمون حزنهم وغضبهم، نزل القرآن الكريم بتوجيههم إلى النظر في الجوانب ألإيجابية في الصلح، قال تعالى:"وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" {الفتح: 20} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فيما رواه أبو هريرة قال:"لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلق رضى منها أخر" [2] ."
(1) [الإمام شمس الدين ممحمد بن أبى بكر بن قيم الجوزية _ الفوائد _ دار الريان للتراث، الطبعة الأولى، القاهرة، 1987"ص 209"] .
(2) [رواه مسلم"1469"] .