الابتلاء هو التمحيص والاختبار والامتحان، من بلاه يبلوه أي جربه واختبره، فالله تعالى يبتلى الإنسان ليختبره ويمتحنه، حتى يكون جزائه على قدر أدائه فيما ألقى عليه وأنيط به من اختبارات وابتلاءات، فيكون الجزاء من جنس العمل.
لا يقتصر البلاء على الكافر دون المسلم، ولا على المسلم دون الكافر، وإنما يشتمل جنس الانسان مسلمًا كان أو كافرًا، ما دام يعيش على ظهر الأرض، التي خلقها الله لتكون دارًا لاختبار الانسان، لأنه المخلوق الذي قبل الأمانة وتحمل تبعاتها، في الوقت التي أبت جميع المخلوقات أن يحملنها، فتصدر لها الإنسان، قال الله تعالى:"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" {الاحزاب: 72} .
كما جعل سبحانه الآخرة دارًا للجزاء، يجازى فيها كل إنسان على قدر تحمله وأدائه للأمانة التي تصدر لها في الدنيا، قال تعالى:"فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" {يس: 54} ، وقال تعالى:"قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" {طه: 123 - 124} .
البلاء كما يشمل المسلم وغير المسلم، فهو أيضًا أمر حتمي لا يخلوا منه أحد، قال تعالى:"أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" {العنكبوت: 2 - 3} ، وقال تعالى:"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" {الملك: 2} ، وقال تعالى:"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" {البقرة: 214} .
يقول ابن الجوزي: ليس في الدنيا أشد بلهًا ممن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الأغراض، فأين تكون البلوى إذن؟ لا والله، بل لابد من انعكاس المرادات ومن توقف أجوبة السؤالات، ومن