تشفى الأعداء في أوقات، فأما من يريد أن تدوم له السلامة والنصر على من يعاديه، والعافية من غير بلاء فما عرف التكليف، ولا فهم التسليم [1] .
الابتلاء يكون في الخير والشر، بالسراء والضراء، بالسعادة والشقاء، بالراحة والرفاهية والكد والتعب، فيبتلى الإنسان بما يسره وبما يسوؤه، ولا يكون بالضراء فقط، فلابد أن يكون صابرًا على الضراء، شاكرًا على السراء.
قال تعالى:"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" {الأنبياء: 35} .
وقال تعالى:"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ" {الانعام: 42} .
وقال تعالى:"وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" {الأعراف: 168} .
وقال تعالى:"قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" {طه: 123 - 124} .
فالابتلاء بالشر معلوم ومشهور، أما الآخر فلا يظنه كثير من الناس ابتلاء، فهم لا يعلمون أن ما أنعم الله به عليهم من بركة في المال أو الأولاد أو الصحة، وما إلى ذلك من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، أنما هو اختبار وامتحان من الله، فالمنعم جل وعلا يستودع هذه النعم عند أصحابها ليرى كيف يتصرفون فيها، أيتكبرون ويفسدون في الأرض، مثل ما فعل فرعون، أم يبخلون ويمنعون ما أمر الله به. مثل ما فعل قارون، أم يسخرون علمهم الذي أنعم الله به عليهم، في الرياء، والاستعلاء على الخلق، ولا يتقون الله فيه، مثل ما فعل بلعام بن باعوراء.
(1) [عبد الرحمن بن الجوزى، صيد الخاطر، تحقيق محمد الغزالى، نهضة مصر، ص: 215] .