إن الابتلاء بالخير أشد وأثقل من الابتلاء بالشر، فقد زين الله سبحانه وتعالى الخير للإنسان وجبله عليه، فالنفوس تهوى الخير وتتطلع إليه، وتكد الأبدان وترهق العقول وتزهق الأرواح من أجل تحصيل المنافع ودفع المضار، قال تعالى:"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ" {البلد: 4} ، وقال تعالى:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ" {ال عمران: 14} .
وقال تعالى:"الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" {الكهف: 46} .
فالخير دائمًا مزين محفوف بالشهوات، تتطلبه النفس الأمارة وتحث صاحبها على اكتسابه و الحصول عليه بشتى الطرق والوسائل، سواء أكان حلالًا أم حرامًا، فهو من أهم حبائل الشيطان ومكايده، التي يوقع بها الإنسان في المعصية، فهو من الأمور التي يشارك الشيطان فيها الإنسان، بحضهم على جمعها واكتسابها من طرق الحرام، قال تعالى:"وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا" {الاسراء: 64} ، ولا يخفى على أحد مدى قوة إبليس في الإغواء والتزين.
وقد حذر الله تبارك وتعالى من هذا النوع من الابتلاء، قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" {التغابن: 14 - 15} ، ومما لاشك فيه أن الله لا يستخدم اسلوب النداء إلا ليسترعي الآذان ويجذب العقول لأهمية ما سيلقى عليهم من توجيهات، وكان ما ألقاه الله هو التحذير من أحب النعم إلى الإنسان.
فضلًا عن أن المبتلى بالضراء، يسهل عليه الصبر والاحتمال، فليس أمامه سوى الصبر، ولا يوسعه إلا الرضا، ولا تتحقق له الراحة إلا بالقناعة، فالمبتلى بالفقر لا يستطيع شرب الخمر لأنه لا يملك ثمنها، وليس بإمكانه منع زكاة لأنها لم تجب عليه، ولا يستطيع التكبر، لأنه لا يملك مقوماته، هذا بخلاف من يستطيع أن يرتكب مثل هذه المعاصي، لأنها في إمكانه وتحت طائلته وفى مقدرته.