يقول صاحب الظلال: الابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال المبتلى ومدى صبره على الضر ومدى ثقته في ربه ورجائه في رحمته، فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان أن الابتلاء بالخير أشد وطأة وإن خيل للناس أنه دون الابتلاء بالشر، وإن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير، كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف ولكن قليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم، كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تزل ولكن قليلون هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان وما يغريان به من متاع وما يثيرانه من شهوات وأطماع. أ. هـ.
عن أبي الدرداء قال:"خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم و نحن نذكر الفقر و نتخوفه، فقال"آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هيه، وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء". قال أبو الدرداء: صدق - و الله -رسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا - و الله - على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء" [1] . فالنبي صلى الله عليه وسلم ينكر على الصحابة خشيتهم من الفقر، وينبئهم بأن الدنيا ستصب خيراتها من فوقهم صبًا، وقد صدق رسول الله في نبوءته، حتى أصبح الغنى أمرا عجيبا، وسادت الأمة مع الفقر وتخلفت مع الغنى، فالذي اقتتل الناس من أجله إنما هو المال، وهو الذي دمر كثيرا من البيوت.
وقد دل قوله تعالى:"كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى" {العلق: 6: 7} ، على ذم الغنى إن كان سبب الطغيان. وسأل أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن الغنى و الفقر فقال: وهل طغى من خلق الله عز وجل إلا بالغنى وتلا هذه الآية المتقدمة. والمحققون يرون الغنى والفقر من قبل النفس لا في المال. وكان الصحابة رضى الله تعالى عنهم يرون الفقر فضيلة [2] .
(1) [رواه ابن ماجة، وحسنه الألباني في الصحيحة"688"] .
(2) [شهاب الدين محمد الأبشيهي المستطرف في كل فن مستظرف، الطبعة الاولى، القاهرة: مؤسسة المختار (2006) .ج 437]