الصفحة 12 من 23

وأصرفه على أصدقائي. أصدقاء السوء، رغم علمي بأنهم لم يكونوا يحبونني بل ويشمئزون من ساقي المقطوعة ويعيرونني بها، فقط كانوا يستغلون ما أصرفه عليهم ولا يهتمون كنت أعلم كل ذلك لكن لم أهتم.

الآن ها أنا ذا أجلس على قارعة الطريق فوق كرسي حول طاولتي التي اعتدت أن أشارك أصدقائي القهوة والمشروبات والأكل. كنا نجلس نتسامر حتى ساعات متأخرة من الليل بت الآن أصبحت بعد أن تزوجت أختي وأصبحت أمي تزورها غالب الأحيان ما عاد أهل الحي يقدمون لأمي نقودا، تذكرت أبي حين كان يردد هاته الآية (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِين) . أحسست بمعنى الآية بعد أن أصبحت وحيدًا، مع غرفة أبي، ومكتبته الضخمة التي لم يكن يسمح لأحد بأن يمسها فقط كان هو من ينظفها ويشعر بالغضب كلما أفسدت أمي ترتيب الكتب فيها، فور عودته من المسجد يبدأ في تصفح كتاب ما حتى ينهيه وينتقل إلى آخر وهكذا فعل مع جل كتبه، بات الغبار يعلو كل كتاب منها.

دخلت إلى المنزل، ولم تكن أمي موجودة، تركت لي رسالة، أنها عادت مع أختي إلى منزلها وستبيت عندها الليلة وأن الأكل بالثلاجة.

وضعت العكاز الذي يساعدني جلست مقابلا التلفاز، أتفرج مررت على قناة بها شيخ كان يشبه أبي في شكله إلى حد ما، تغاضيت عن الأمر ثم أطفات التلفاز.

ذكرى أبي لم تفارقني منذ ست سنوات لم تفارقني لحد اليوم، حملتني ساقاي - آه نسيت ساقي الواحدة - إلى التوجه نحو مكتبة أبي، جلست في مكانه، وظللت أتذكره وماذا كان يفعل وكيف كان يحمل ذلك الكتاب.

ذهبت إلى طاولة كان يستند إليها، رأيت فوقها كتابًا، جلست وفتحته كتابا بعنوان مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك نستعين، كان الجزء الثالث، وجدت ورقة مطوية تشبه الرسالة في الصفحة المائة والعشرون، أخذتها بسرعة، فتحتها وجدت رسالة من أبي، اجل منذ ست سنوات أو بالأحرى منذ تلك الحادثة التي كرهت فيها أبي وجدته قد كتب رسالة كان يود ان يقدمها لي كتب فيها:

(إلى بني أتعلم رغم كبر سني إلا أني أحيانًا كثيرًا أخاف، لا أملك الشجاعة للمواجهة، وددت أن أعطيك رسالتي بطريقة أخرى، وددت أن أتحدث إليك بلطف أن أنصحك بلطف لكن منذ علمت بمرضي خفت أن أجعلك تحبني فأخلفك ورائي حزينًا مهزومًا منكسرًا، كان من المنطقي ان احبك وتحبني فأنت ابني، لكن أعلم أنك مثلي قاس وتحمل قلبًا حنونًا وضعيفًا و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت