الصفحة 21 من 34

أحدها: أن الشريعة إنما جاءت لتُخرِج المكلَّفين عن دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عبادًا لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرضِ أن يكون وضعُ الشريعة على وَفْق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة كيف كانت.

والثاني: أن المنافع الحاصلة للمكلَّف مَشُوبة بالمضارِّ عادةً، كما أن المضار محفوفةٌ ببعض المنافع، كما نقول: إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبةُ الإحياء، بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال، كان إحياؤها أولى، فإنْ عارَض إحياؤها إماتةَ الدين، كان إحياء الدين أولى وإن أدَّى إلى إماتتها؛ كما جاء في جهاد الكفار، وقتل المرتد، وغير ذلك، وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلًا، كان إحياء النفوس الكثيرة أولى، وكذلك إذا قلنا: الأكل والشرب فيه إحياء النفوس، وفيه منفعة ظاهرة، مع أن فيه من المشاق والآلام في تحصيله ابتداءً، وفي استعماله حالًا، وفي لوازمه وتوابعه انتهاءً، كثيرًا.

ومع ذلك، فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس، حتى إن العقلاء قد اتَّفقوا على هذا النوع في الجملة، وإن لم يُدرِكوا من تفاصيلها قبل الشرع ما أتى به الشرع، فقد اتفقوا في الجملة على اعتبارِ إقامة الحياة الدنيا لها أو للآخرة؛ بحيث منعوا من اتباع جملة من أهوائهم بسبب ذلك، هذا وإن كانوا بفقد الشرع على غير شيء، فالشرع لَمَّا جاء بيَّن هذا كله، وحمل المكلَّفين عليه طَوْعًا أو كَرْهًا، ليُقِيموا أمر دنياهم لآخرتهم.

والثالث: أن المنافع والمضار عامَّتها إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية أنها منافعُ أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت؛ فالأكل والشرب مثلًا منفعة للإنسان ظاهرة، لكن عند وجود داعية الأكل، وكون المتناوَل لذيذًا طيبًا، لا كريهًا ولا مرًّا، وكونه لا يولِّد ضررًا عاجلًا ولا آجلًا، وجهةُ اكتسابه لا يلحقه به ضرر عاجل ولا آجل، ولا يلحق غيره بسببه أيضًا ضرر عاجل ولا آجل.

وهذه الأمور قلما تجتمع، فكثير من المنافع تكون ضررًا على قومٍ، لا منافع، أو تكون ضررًا في وقت أو حال، ولا تكون ضررًا في آخر، وهذا كله بيِّن في كون المصالح والمفاسد مشروعة أو ممنوعة لإقامة هذه الحياة، لا لنَيْل الشهوات، ولو كانت موضوعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت