الصفحة 17 من 47

وعلى أي حال، فثمة تقارب بين الموضوعاتية والمناهج الأخرى، كالسيميولوجيا، واللسانيات، والأسلوبية، وعلم الدلالة، والتحليل النفسي، فريشار (Richard) يميز بين الموضوعاتية والمنهج السيكولوجي عندما يقر أن"القراءة في كليهما تنطوي على مهمة إحضار المعنى إلى النص أو ما يمكن تسميته بتضخيم المعنى، فكلتا القراءتين مضخمة للمعنى، وذلك على عكس القراءة الفيلولوجية التقليدية التي كانت تهتم بتقليصه" [2] .

ولا يمكن للنقد الموضوعاتي إطلاقا أن يستغني عن المنهج النفسي، على الرغم من الفوارق الموجودة بينهما، ولاسيما أن الموضوعاتية نقد وصفي ينبني على فهم النص من أجل استكشاف المعنى وإظهاره وتضخيمه. بينما المنهج النفسي يعتمد على دراسة اللاشعور في العمل الأدبي دراسة تفسيرية تأويلية. وإذا كان التحليل النفسي يميز بين عمليتين تحليليتين هما: العملية الأولية (Le processus primaire) ، حيث توجد في مستوى اللاوعي، والعملية الثانوية (Le processus - Secondaire) ، وتوجد في مستوى يتموقع بين الوعي واللاوعي، وهو مستوى ما قبل الوعي، فالمنهج الموضوعي يركز على العملية الثانية. ويعني هذا مدى تضمن المنهج النفسي للمنهج الموضوعاتي، واحتوائه له، وإن كان المنهج الأخير يرتكز في قراءته على مقولتي الزمان والمكان لتحديد المعنى وتشكيله، على خلاف اللاوعي الذي يتخلص منهما. وتدرس القراءة الموضوعاتية المشاهد في العمل الأدبي باعتبارها مظهرا من مظاهر الوعي على الخلق والابتكار انطلاقا من التصنيف المقولاتي. كما يمكن لهذه المقاربة أن تدرس المظاهر الإبداعية اللاواعية، كما فعل ريشار (Richard) عندما درس أعمال بروست (Proust) قصد تحصيل قراءة موضوعية للرغبة المكبوتة غير المعلن عنها. وهكذا، فالأعمال"الأدبية الكبرى"هي تلك التي يكون للرغبة - Le desir- فيها نصيب من التصنيف الموضوعي. وعلى الرغم من أن الرغبة تبقى من ممتلكات الكبت والمحظور والمجهول، أعني من ممتلكات التحليل النفسي، فإنه يمكن لهذه الممتلكات أن تصنف في

(1) - عبد الكريم حسن: (نقد المنهج الموضوعي) ، مجلة الفكر العربي المعاصر، بيروت، لبنان، العددان: 44 - 45.

(2) - عبد الكريم حسن: نفسه، ص 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت