لقد كان صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعلم الناس بحقيقة أن الإيمان يزداد وينقص؛ فثبت عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله:"إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص" [1] .
أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان يقول لأصحابه:"هلموا نزداد إيمانًا فيذكرون الله عز وجل" [2] .
والفرق بين الإيمان والإسلام هو أنهما من الألفاظ التي إذا اجتمعت اختلفت معانيها، وإذا افترقت يكون معناها واحدا. فالإيمان هو الإسلام والإسلام هو الإيمان. قال الله تعالى:: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} . وأما إذا وردا في خطاب واحد كأن أقول عمر بن الخطاب مؤمن مسلم، فيكون معنى الإيمانِ هنا العبادات القلبيةُ كالإيمان بالله واليوم الآخر، والإخلاص لله ومحبته سبحانه وتعالى والتوبة من الذنوب والخشوع في الصلاة. وأما الإسلام فيكون بمعنى العبادات الظاهرة كأداء الصلاة وحج بيت الله وقراءة القرآن وغير ذلك. ففي الحديث:"الإيمان في القلب والإسلام علانية".
إن للإيمان أركانا بيَّنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لجبريل بعد أن سأله فقال:"الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". وقد ذكرت خمسة من هذه الأركان مجتمعة في سورة البقرة، حيث قال الله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} أما الركن السادس فقد أتى ذِكْرهُ مستقلا في قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .
الإيمان بالله هو التصديق الجازم بوجوده والالتزام التام بتوحيده؛ فقد دل الشرع والعقل على وجوده سبحانه وتعالى دلالة قطعية لا شك فيها؛ قال تعالى:"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"ويكفي الإنسان برهانًا على وجود خالقه أن لكل صِنعة صانعًا ولكل مخلوقٍ خالقًا؛ سئل أعرابيّ عن دليل وجود الله فقال:"ألا يدل السير على المسير والبعرة على البعير، فسماء ذات بروج وأرض ذات فجاج وبحر ذو أمواج، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير"وأما التوحيد فهو أعظم أصل في
(1) كتاب شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم هبة الله بن الحسن بن المنصور الطبري الرازي الالكائي، المتوفى:414 ه، ج:4،ص:1016
(2) كتاب السنة، لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد بن الخلال البغدادي، توفي:311، باب المناكحة، ص: 49.