والاستراتيجية باستيعابها لردود فعل الخصم، وتطور الأوضاع، بل تغيير المعطيات في حالة عدم إنجاز بند من بنودها، أو خطأ في استشرافها، تكون متميزة عن التخطيط بوعيها الشديد بحركة التاريخ. فإذا كانت برامج التخطيط لا تكلف إلا مراجعة للبرمجة وتوزيعًا جديدًا للوسائل في حالة التأخير، فإن أي تأخير في إنجاز الاستراتيجية ينسفها تمامًا لو أقدم الخصم على استغلاله، ويتطلب إعادة الصياغة لها بإعادة التشخيص للواقع والاستشراف للمستقبل في ضوء ذلك الإقدام الذي سمح به للخصم.
وفضلًا عن ذلك فإن الاستراتيجية عادة ما تكون مرنة ومفتوحة على أكبر عدد ممكن من الاحتمالات والبدائل التي تمت دراستها بناءً على استشراف المستقبل وتوقع ردود فعل الخصم. أما التخطيط فعملياته إذا كانت تحتمل الإضافة والحذف والتعديل، فإنها لا تحتمل برمجة كل البدائل المحتملة، بل تكون ترجمة لتنفيذ ما تم اختياره من البرامج بعد دراسة الحاجيات، مع الأخذ بعين الاعتبار لمختلف التوقعات، لكن بعد الحسم في اختيار الأنسب من بدائلها المتوقعة.
ولهذا كان من السهل تحديد ميزانية للتخطيط، مع أنه من الصعوبة تحديد ميزانية لتنفيذ جميع بنود الاستراتيجية، لارتباطها بالتوقع والاحتمالات. فالتخطيط تجسيد للطموحات، صمّام أمان لاستنفار الطاقات، وضمان محفز للتعبئة والإعداد، ومحرك فعّال لترجمة التخوفات إلى برامج عمل، وهو في صورته الأخيرة هذه حين الانتقال إلى تجسيد العمل، يلتقي مع الاستراتيجية.
وطبعًا قد تحتاج الاستراتيجية إلى مزيد من بلورة الأهداف، وإلى مزيد من إجلاء تفاصيل هذه الأهداف وإيضاحها، وبالتالي يمكنها كما ذكرنا أن تكون مرادفًا للتخطيط إذا كان التخطيط ديناميكيًا شديد التأثر بحركته التاريخية. وسواء تعلق الأمر بالتخطيط أم بالاستراتيجية، فإننا حين نباشر موضوعًا ما من الناحية الاستراتيجية، لا بد أن نجيب على الأسئلة التالية: ماذا؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟، ففي خضم هذه الأسئلة يتحدد الإطار والأسلوب الذي من خلاله ستتم التعبئة والتنسيق والتوجيه للحاضر والمستقبل، بغية تحقيق أهداف محددة ومرسومة من طرف التنظيم المشرف على عملية التخطيط أو عملية وضع الاستراتيجية، علمًا بأن"لماذا"و"كيف"هما السؤالان الأساسيان اللذان تصاغ وفقًا للإجابة عليهما الاستراتيجية.
وما دامت"الاستراتيجية"هي فن قيادة المعارك، فهي تعتمد أساسًا على استقراء الواقع واستشراف المستقبل لأنها تتكون من عنصرين أساسيين: الإقدام والابتسار.11
فعنصر الإقدام يتعلق أكثر بشكل الوسائل والجيوش في الاستراتيجيات العسكرية إذ يقتضي معرفة تامة بالواقع، والابتسار يتعلق أساسًا بتوقع ردود الفعل، وهو أمر يحتاج إلى استشراف