الصفحة 13 من 31

للمستقبل، وإلى معرفة وتقدير مختلف الحوادث (السيناريوهات) والمشاهد المحتملة، حتى يمكن للاستراتيجي أن يستوعب مختلف ردود الفعل الممكنة والمحتملة.

ولقد تطور مفهوم الاستراتيجية تطورًا كبيرًا عبر التاريخ. وإذا اكتفينا بالتاريخ المعاصر فهي عند كارل فون كلاوزفيتز Carl von Clausewitz 12 - كبير الكتاب العسكريين في القرن التاسع عشر- فن استخدام المعارك وسيلة لتحقيق أهداف الحرب. ثم جاء أحد تلامذته من بعده، وهو القائد هلموث فون مولتكه Helmuth von Moltke،12 فطوّر هذا المفهوم ليصبح دالًا على فن استخدام الوسائل الموضوعة تحت تصرف القائد العسكري لتحقيق أهداف الحرب. وبعد تفتت بروسيا انتقلت المدرسة البروسية إلى ألمانيا حيث نجد الألماني إيريك لودندورف Erich Ludendorff،14 يعرّف الاستراتيجية بأنها"دخول المعارك الحاسمة للقضاء على جيش العدو وتحطيم إمكانياته".

وفي بداية الستينيات، أصدر الجنرال الفرنسي أندري بوفر Andre Beaufre كتابه الشهير مدخل إلى الاستراتيجية (Introduction ? La strategie) ، الذي أضحى مرجعًا لطلاب المدارس العسكرية والاستراتيجية، قدم فيه التعريف التالي:"إنني أعتقد أن روح الاستراتيجية كامنة في اللعبة المجردة الناجمة عن تعارض إرادتين. إنها الفن الذي يسمح -بعيدًا عن كل تقنية- بالسيطرة على معضلات كل صراع، حتى يسمح باستخدام التقنية بأقصى فاعلية ممكنة. إنها إذا فن حوار القوى أو بالأحرى فن حوار الإرادات التي تستخدم القوة لحل خلافاتها."15

ويتضح من هذه التعاريف أن مفهوم الاستراتيجية قد تطور عند منظريه حسب توفرهم على القوة وتأكدهم من تحقيق النصر، لكننا نجد التعاريف الأكثر حداثة ترى أنه ليس من الضروري أن يدخل القائد معارك حاسمة لتحطيم جيوش أعدائه كما شرح لودندورف، ولكن قد يكون من الأفضل، تحت ظروف معينة، استخدام خطة أهداف محدودة تعتمد على تحطيم معنوياته، وتعطيل حركته بضرب مؤخراته ومراكز اتصاله وتموينه، وتفادي الاشتباك معه في أية معارك حاسمة. فليس من الضرورة أن يخوض القائد حربًا، بل الأهم أن يصل إلى الانتصار، وتكون الخطة التي اتبعها، والسياسة التي انتهجها للوصول إلى ذلك الانتصار بالوسائل الموضوعة تحت إشارته أو رقابته فنًا يوصف بـ"الاستراتيجية".

ونحن إذ نشير إلى ذلك، فلنؤكد أن"الاستراتيجية"لا تعتمد على مسح شامل للمعلومات كما قد يتصور، ولا على كمال في التأكد من النصر كما يتبادر للذهن، ولكنها تسمى"استراتيجية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت