الصفحة 19 من 31

التذبذب في معالجة القضايا، وواجب في حقه تثبيت الخطى والسير على نهج سليم، مع وعي كامل بالمخاطر الهزات، ونظر حديد في ساحة المستجد من الأمور والمحدثات. فالتوقف قاتل، والإقدام بناء على توهم انتحار، والخطى الثابتة تستدعي التأني في المشي مع السرعة في اختراق النور لظلمات الطريق.

ونوضح ذلك فنقول: حركة الاستراتيجي في ساحة الصراع يقودها تحليل المعلومات حول الخصوم وردود فعلهم من جهة، وتفاعل الذات مع الساحة وانعكاساتها من جهة أخرى، مع توافر زخم آخر من المعطيات حول خريطة الساحة ومناخها وتضاريسها. فقلة المعلومات موقفة للحركة، وتدفقها على وتيرة سريعة معطل لمختبرات التحليل، مشلٍ للحركة.

ولعل هذا ما يفسّر صعود الأمم وانهيارها، فهي تتألف وتصعد حين تتماشى معلوماتها ومعارفها مع آليات هضمها الذاتي، وتنهار حين تعجز عن مواصلة الهضم، متوهمة استمرارا قدرتها على المواكبة والتحليل لمستجدات الأمور وحركات الخصوم. فالمرض القاتل للأمم يكمن في صعوبة إدراكها لتوقف الروح الاستراتيجية بها، ويبدأ التوقف في العجز عن استجماع المعلومات الضرورية حول الأنا والآخر بمختلف أنواعها، أو تراكمها دون تحليل لعطب في آليات التحليل، والاستنباط، أي بتسرب الخلل إلى منظومة الأفكار.

ج- إتقان التحليل الديناميكي للأحداث: أي تخطيط ثقافي لا يمكنه أن يتعمق في الثقافة بشكل فعلي إلا إذا انطلق من دراسة ما يموج من الأفكار والآراء في الساحة الثقافية، وما هو منها سائد وأسباب سيادته، وما هو منها بائد وأسباب بيادها، وما هو منها كامن يترقب وحظوظ انبثاقه أو سطوه، آخذًا بعين الاعتبار تفاعلاتها الديناميكية وتقلباتها الزلزالية، خاصة حين يصبح تسارع الأحداث والهزات ظاهرة تطبع حركة التاريخ المعاصر، ويصبح التحليل الذي أنجز البارحة غير صالح اليوم لبعده عن الواقع الذي تطور فجأة بين الأمس واليوم. وأراني مضطرًا لتوسيع الشرح إلى ضرب المثل: هب أن باحثًا انكب منذ ثلاث سنوات على إعداد بحث حول اقتصاد ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي وتقديم الحلول التي يراها ناجعة له، فما أظنه إلا في نقص للمعلومات مستمر، إذ بين دراسته للوضع وتقديمه للحل يكون الوضع قد تطور تطورًا جعل حله نوعًا من العبث والجهل بالواقع.

ولقد سبق القول منا أن الثقافة تجسيد للمكتسب من الصراع والحرب بين حق وباطل، والتشابك بين أيد راغبة في الإصلاح وأياد تسعى لنشر الفساد، علمًا بأن الجو يعكره ويزكمه وجود أجساد عفنة تساعد على الإفساد. وما دام الأمر حربًا وصراعًا فينبغي النظر إليه انطلاقًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت