الصفحة 18 من 43

والعقوبات الحدية لا شفاعة فيها، بخلاف العقوبات الأخرى، ومناط تنفيذها السلطان أو مؤسسات الدولة، وتطبق على الجميع بعدالة، وهذه الضوابط تتنافى مع جرائم الشرف، بل تحول دون وقوعها، والأدلة على ذلك كثيرة منها:

أ- عن عائشة أن أسامة كلم النبي- صلى الله عليه وسلم- في امرأة فقال:"إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع، ويتركون الحد على الشريف، والذي نفسي بيده لو فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها". (31)

ب- والحديث ورد في رواية أخرى عن عائشة- رضي الله عنها- أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب قال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها". (32) "

العقوبات جزء من الشريعة، وهي رحمة كلها (33) ، وعدل كلها، وأحكام الشريعة متكاملة ومترابطة، لها أسس ومقاصد لا يجوز تغييرها والتلاعب بها، وهي بهذا بعيدة كل البعد عن الأهواء والشهوات، وردود الأفعال كما هو الحال في جرائم الشرف، فلا يمكن أن ترتبط العقوبات في الإسلام بعقلية الانتقام، والقرار المتسرع، يقول الإمام محمد أبو زهرة:"العدالة والرحمة متلازمتان" (34) . والأدلة على ذلك كثيرة منها:

أ- قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107.

ب- عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- قال: كنا عند النبي- صلى الله عليه وسلم- في مجلس فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ هذه الآية كلها فمن وفًّى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه. (35)

ج- عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: ما خير النبي- صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله. (36)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت