الصفحة 22 من 43

المطلب الرابع

سلطة تقدير العقوبة وتنفيذها في الفقه الإسلامي، وعلاقتها بجرائم الشرف

العقوبات متعلقات بموجبات لها وأسباب: فمنها ما يكون حقا لآدمي، يسقط بإسقاطه، ويستوفى بطلبه، ومنها ما يثبت حقا لله تعالى؛ لارتباطه بسبب هو حق الله تعالى، كالحدود عقوبات مقدرة شرعا حقا لله تعالى لا تسقط بالعفو والإسقاط، ومنها التعزيرات مفوضة لرأي الإمام، فإن رأى الصفح والتجاوز تكرما فعل، ولا معترض عليه فيما عمل، وإن رأى إقامة التعزير تأديبا وتهذيبا، فرأيه المتبع. (46)

إذا ثبت هذا: فإن عقوبات الحدود والقصاص مقدرة بالشرع، والتعزير للحاكم المسلم، وتنفيذها من مهام الدولة، ومؤسساتها المختصة، وليست موكولة للأفراد، أو من اختصاصهم، وإنما ينحصر دورهم في تحريك الدعوى لدى القضاء، وتقديم البينات، واستيفاء الحقوق بناء على الحكم القضائي الصادر والمقتضي لذلك. (47)

قال الكاساني:"ولاية الاستيفاء للإمام بالإجماع .... ولاية إقامة الحد ثابتة للإمام لمصلحة العباد، وهي صيانة أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته، وانقياد الرعية له قهرا، وجبرا، ولا يخاف تبعة الجناة، وأتباعهم؛ لانعدام المعارضة بينهم، وبين الإمام، وتهمة الميل، والمحاباة، والتواني عن الإقامة منفية في حقه، فيقيم على وجهها، فيحصل الغرض المشروع له الولاية بيقين والتعزير هو التعيير، والتوبيخ، وذلك غير مقدر، فقد يكون بالحبس، وقد يكون برفع الصوت، وتعبيس الوجه، وقد يكون بضرب أسواط على حسب الجناية، وحال الجاني، والمولّى يساوي الإمام في هذا؛ لأنه من باب التأديب، فله قدرة التأديب". (48)

وقال ابن رشد:: وأما فيما يحكم فاتفقوا أن القاضي يحكم في كل شيء من الحقوق، كان حقا لله، أو حقا للآدميين، وأنه نائب عن الإمام الأعظم في هذا المعنى، وأنه يعقد الأنكحة، ويقدم الأوصياء". (49) "

وجاء في البيان:"ومن وجب له القصاص لم يجز له أن يقتص بغير إذن السلطان، أو بغير حضوره؛ لاختلاف العلماء في وجوب القصاص في مواضع، فلو قلنا: له أن يستوفيه من غير إذن السلطان لم نأمن أن يقتص فيما لا يستحق فيه القصاص، فإن خالف واقتص بغير إذن السلطان، فقد استوفى حقه، قال الشافعي- رحمه الله تعالى- ويعزر، ولا شيء عليه، ومن أصحابنا من قال: لا يعزر؛ لأنه استوفى حقه، والأول أصح؛ لأنه افتأت على السلطان" (50)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت