ولا يكون ذلك بتدليلها ولا بتعطيشها، وإنما يكون بالتوسط بين الأمرين، فهي كالطفل إذا زِدْتَ في تدليله فسَد، فلم تقدِرْ على تعليمه ولا على تربيته، وإذا زِدْتَ في أخذه بالشدة دون راحة لم ينجعْه ذلك عند الكِبَر، ذلك أن هذا الدين متين، وعلى السائر فيه أن يُوغِلَ فيه برفقٍ، فإن المنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، ولا يُبغِّض إلى نفسه عبادةَ ربه، وإنما عليه العمل عمل امرئٍ يظنُّ أن لن يموت أبدًا، واحذر حذرًا تخشى أن تموت غدًا [1] .
بل إن الترويح عن النفس عبادةٌ واجبة حتى لا تفضِيَ العبادات المنقطعة عن حظوظ النفس إلى الملل، بل قد تفضي إلى المعصية لو لم تجد راحتها فيما أحلَّه الله - تعالى - فعن أبي الزبير عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى امرأةً فأتى امرأته زينبَ وهي تَمعَسُ مَنِيئةً لها فقضى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه، فقال: (( إن المرأة تُقبِل في صورة شيطان، وتُدبِر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدُكم امرأة فليأتِ أهله، فإن ذلك يردُّ ما في نفسه ) ) [2] .
فمنهج الإسلام في تهذيبِ النفس وتزكيتها لا يكون بحرمانِها من الحلالِ، ولا بإطلاقِ العنانِ لها في المحرَّمات ولا حتى الطيِّبات، فإطلاق العنانِ لتشتري كل ما تشتهي يجعلُها تشتهي ما لا تقدر أن تشتري، فيحملها ذلك على أن تشتهي، ثم تبحث عن وسائل إشباع الشهوة دون ضابط ولا رابط، فيدفعها ذلك للمعصية، أما إذا ألجمت عن ذلك، فتكون كمن أراد أن يفطم رضيعًا فانفطم، وإلا ازدادت سعارًا وعطشًا، يقول البصيري:
والنَّفْسُ كَالطِفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى = حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
ورَاعِهَا وَهْي في الأعْمَالِ سَائمة = وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِمِ
كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَةً = مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ السُّم في الدَّسَمِ [3]
ومنهج الجاهلين في تربية النفس هو قطعها عن الطيِّبات، أو قطع راحتها عن الطيِّبات، وفي ذلك مخالفةٌ صريحة لقوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] .
وعن أنس - رضي الله عنه - أن نفرًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عملِه في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: (( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأُفطِر، وأتزوج النساء، فمَن رغِب عن سنتي فليس مني ) ) [4] .
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان مرفوعا ج 3 ص 402 رقم 3886، والصحيح أنه يعد من الأثر عن السلف الصالح.
(2) رواه مسلم ج 7 ص 180 رقم 2491.
(3) مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار ج 1 ص 191 لمؤلفه: أبي محمد عبدالعزيز بن محمد بن عبدالرحمن بن عبدالمحسن السلمان، (المتوفى: 1422 هـ موقع مكتبة المسجد النبوي الشريف.
(4) رواه مسلم ج 7 ص 175 رقم 2487.