فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 21

وقال - صلى الله عليه وسلم: (( أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمَن رغِب عن سنتي فليس مني ) ) [1] .

وعن أبي سلمة أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب قد خشيت على نفسي العنت، ولا أجد طَوْلًا أتزوَّج النساء، أفأختصي، فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قال ثلاثًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاقٍ فاختص على ذلك أو دَعْ ) ) [2] .

قال العلماء:"فعرفه أنه لا يعدو ما جرى به القلم عليه من خير أو شر، فإنه لا بد عامله ومكتسبه، فنهاه عن الاختصاء بهذا القول الذى ظاهره التخيير، ومعنى النهي والتبكيت لمن أراد الهروب عن القدر والتعريف له أنه إن فعل، فإنه أيضًا من القدر المقدور عليه فيما جفَّ به القلم عليه" [3] .

ويجب مراعاة أن تهذيب النفس وتزكيتها هو خطاب لكل مكلَّف، فهو فرض عين بدلالة (من) الواردة بالآية، وهي عمل فردي يأتيه المسلم دون حاجة لإعانة من أحد، بل المقصد أن تتحقق التزكية في ظل شواغل الدنيا وأصدقائها، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( طوبى للغرباء ) )، فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: (( أناس صالحون في أناس سوءٍ كثير، مَن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ) ) [4] .

لكن لا بد من الأخذ في الاعتبار كذلك أن الأنبياء كُلِّفوا بتزكية قومهم، بقوله - تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] ، فكان اتباع دعوة الأنبياء أساسَ تزكيةِ النفس، ولما كان العلماء ورثة الأنبياء، لزم ذلك أن يكون اتباعُ علماء الإسلام سببًا لتزكية النفس كذلك، ولما كان الأنبياء مكلَّفين بتزكية قومِهم، وكانوا خلفاءهم في الدعوة، كان خطاب الشارع يشملهم في شأن تكليفهم بتزكية قومهم، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب: (( ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعَم ) ) [5] ، ومن ثَمَّ تحتاج النفس لتهذيبِها وتزكيتها لعمل مجتمعي يقوده علماء الأمة، ويتحقق ذلك بالوعظ والإرشاد، وهو الأمر الذي إذا لم يكن في وسع الأمة تحقيقه، فإنه ينبغي للفرد السعي إليه بمجالسة العلماء ومخالطتهم والتخلق بأخلاقهم، ولا أقصد بالعلماء مَن وسع عقله علمًا دون قلبه، ولكن المقصد من اتصف بأنه عالم رباني،

(1) رواه البخاري ج 15 ص 493 رقم 4675.

(2) رواه النسائي ج 3 ص 264، وصححه الألباني: صحيح وضعيف سنن النسائي ج 7 ص 287 رقم 3215.

(3) ابن البطال: شرح صحيح البخاري ج 10 ص 299.

(4) رواه أحمد في مسنده ج 13 ص 400 رقم 6362، وصححه الألباني ج 4 ص 153 رقم 1619.

(5) رواه البخاري ج 10 ص 94 رقم 2724.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت