وأما الثالثة: فمررتُ ببعض الطرقات، فقالت امرأة: هذا الذي يصلِّي الفجر بوضوء العشاء، فتعمدتُ ذلك حتى صار دأَبي. [1]
فلله هي أو هنَّ، ولله هو!
حتى ليقول الذهبي عن خاتمته السعيدة:"عُنِي بطلب الآثار، وارتحَل في ذلك، وأمَّا الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى، والناسُ عليه عيالٌ في ذلك".
ويقول عنه يحيى بن مَعين إمام الجَرح والتعديل: كان أبو حنيفة ثقةً لا يحدِّث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدِّث بما لا يَحفظ ... ولم يُتَّهم بالكذب ... ولقد ضربَه ابنُ هُبيرة على القضاء، فأبى أن يكون قاضيًا.
لقد كانت الصفعات الثلاثُ مؤثِّرةً في حياة أبي حنيفة أيَّما تأثير! فكان في العلم على ما حكى هؤلاء الفحول، وكان تَوقُّد ذهنه لا يُصدَّق، حتى صار كما قال فيه:"ألمعيٌّ ذكي، لا يُخطئ في تقدير الرجال"، وقائل ذلك هو الإمام مالك؛ كما ينقل ذلك الشافعي تلميذه، يقول: قيل لمالكٍ: هل رأيتَ أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيتُ رجلًا لو كلَّمَك في هذه السارية أن يجعَلها ذهبًا لقام بحجَّتِه"."
وأما عن العبادة فحسبُك فيه قولُ أسد بن عمرو:"إن أبا حنيفة رحمه الله صلى العشاء والصبح بوضوءٍ أربعين سنة".
وشهادةُ القاضي أبي يوسف؛ قال:"بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمعتُ رجلًا يقول لآخر: هذا أبو حنيفةَ، لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يُتحَدَّث عني بما لم أفعل! فكان يُحيي الليل صلاة وتضرعًا ودعاء".
يقول الذهبيُّ: وقد رُوي من وجهين أن أبا حنيفة قرأ القرآن كلَّه في ركعة.
(1) الأشباه والنظائر (365) لابن نجيم.