الصفحة 4 من 52

نقول في أمثلتنا الحكيمة:"رُبَّ ضارَّة نافعة"،"ومن المِحَن تأتي المِنَح"،"والنور مِن رَحِم الظلماء مسراهُ".

وليس يصدق هذا على شيء أكثر مما يصدق على حياة أهل العلم، خاصَّة في مرحلة التوجُّه؛ حين يكون الواحد منهم على طريق عاديَّة فتحرفه عنه كلمةٌ أو موقف ويكون بالنسبة له نقطة المفترق، فإذا هو يدير ظهره لماضيه ويبدأ حياة جديدة جدًّا، يطلب فيها العلم ويجتهد في تحصيله حتى يبزَّ أقرانه ومَن سبقوه، ويرتفع لواؤه حتى يتفوق على شيوخه ومعلِّميه، بهذه الروح سافرت أرقب حياة هؤلاء العلماء ...

مكثت هناك؛ أتأمل وأكتب، وسافرت - مع الزمن، عبر السِّيَر - أدقِّق وأسجِّل:

-رأيت القعنبي وهو يتعرض لموكب الإمام شعبة يتهدده إن لم يحدثه بحديث فسوف يقتله، وسمعت قول شعبة له: ألا تستحي!، فلم يتركه القعنبي حتى حدثه فاختار له حديث: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فحولت الكلمة القعنبي من سكّير عربيد إلى إمام محدّث كبير، بل كان أعظم رواة موطأ الإمام مالك.

-نظرت إلى الكسائي وهو يتردد على مجلس علم في المسجد، وسمعت المعلم يسأل طلابه في سؤال، فأحب الكسائي أن يجيب فنظر طلاب الحلقة إليه متأففين يقولون: وهل للخياطين بذلك اهتمام؟

فحوّلته الكلمة من خيّاط إلى إمام، بل صار أحد أئمة القراءات واللغة المعدودين في الدنيا.

-لمحتُ ابنَ حزم وهو يدخل المسجد بالأندلس قبيل صلاة المغرب وقد آذنت الشمس بالمغيب، فأراد أن يصلّي ركعتين تحية للمسجد، فقال له أحدهم: اجلس يا جاهل؛ فلا صلاة في وقت الكراهة، فإذا ابن حزم يلوم نفسه على عدم الفقه فيتعهدها من يومها بالعلم، حتى إنه ليناظر أبا الوليد الباجي إمام المالكية في الأندلس فيغلبه في المناظرة، وذلك بعد حادثة المسجد بسنين معدودة، وابن حزم بعد ذلك هو ابن حزم، من ذا في الدنيا كلها لم يسمع به؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت