الصفحة 30 من 52

ويقرب من هذا ما كان من أمر الإمام الفقيه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب - رحمه الله - قال الذهبي في السِّيَر:"إنه ما طلب الحديث حتى كبر". [1]

وغير هؤلاء من العلماء كثير، طلبوا العلم في الكِبَر، ولم يمنعهم كِبر سنِّهم من الطلب، بل قبل ذلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أسلمت الكثرة الكاثرة منهم وهم كبار في السن، فما منعهم سنُّهم من الطلب والتعلم، حتى صاروا أساتذة الدنيا في العلم الشرعي.

القعنبي

كان شابًّا ضائعًا يشرب النبيذ ويَقضي ليله ونهاره يصحَب الأحداث والأغمار من الصبيان والشباب، يأكلون ويشربون ويمرَحون بلا غاية تجمعهم أو هدف يُشجِّعهم، كان القعنبي يقعد كلَّ يومٍ على باب بيته ينتظر قدوم أصحابه فيتَّفقون فيما بينهم على ما يفعلون في يومهم، وهو هو ما يجتمعون ويخرجون لأجله كل يوم، لا غاية ولا هدف إلا قضاء الفراغ وتمرير الوقت.

وفي يوم من هذه الأيام قعد ينتظرهم على باب البيت فمرَّ موكب عظيم من أمامه جذَب نظرَه، كأنما تخيَّله موكب الخليفة أو موكب الأمير، فقام يستكشف الحدث ويتعرَّف على ما غاب عنه من أمرِه، كان صاحب الموكب يَمتطي حماره يسرع به إسراعًا، والناس خلفه يُهرَعون، وحين نظر إليه القعنبي لم يَعرفه، إذ لم يكن الخليفة ولا الأمير، وإنما كان واحدًا غيرهما ربما لم يعهد هو رؤيته، ولم يعرف - في الحقيقة - أن الواقف أمامه كان نجمًا من نجوم ذلك الزمان، فقد كان عالمًا من علماء الحديث الكبار الذين يَجتمع الناس حولهم ويحفُّون بموكبهم ربما أكثر من الخليفة والأمير معًا، حتى قال بعض خدم الخليفة يومًا وقد رأى أحد مواكب العلماء هذه واطَّلع عليها:"هذا الملك لا ملك الخليفة".

(1) سير أعلام النبلاء (7/ 148) ، الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت