الصفحة 29 من 52

ولك أن تعلم - كذلك - أنَّ مِن أقوال العلماء فيه ما يهتزُّ لها الفؤاد طربًا:

قال فيه بعضهم: كان الكسائيُّ إذا قرأ القرآن أو تكلَّم كأنَّ ملَكًا ينطق على فيه.

وقال يحيى بن معين: ما رأيت بعينيَّ هاتين أصدق لهجةً من الكسائي.

وقال إسماعيل بن جعفر المدني - وهو من كبار أصحاب نافع: ما رأيت أقرأ لكتاب الله تعالى من الكسائيِّ.

وقال أبو بكر بن الأنباري:"اجتمعَتْ في الكسائي أمور؛ كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب، وأوحد الناس في القُرآن، فكانوا يَكثُرون عنده فيَجمعهم ويَجلِس على كرسي ويَتلو القرآن من أوله إلى آخره وهم يَسمعون ويَضبِطون عنه حتى المَقاطِع والمبادئ".

وكان النَّاس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، ويُنقطون مصاحفَهم من قراءته.

رأى بعض العلماء الكسائي في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقرآن، فقال له: ماذا فعل حمزة؟ قال له: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما نرَى الكَوكب. [1]

وفي سيرة الكسائي فوائد جمَّة، أولاها بالتأمل أن التعلم لا زمن له، وأنه قد يرسخ في العلم ويفوق أقرانه من تعلم بعد كبره؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما العلم بالتعلم ) ) [2] ، فدع عنك المثبطات من مثل قولهم:"العلم في الكبر كالنقش على الماء"، فتالله كم من كبير أفلح في العلم حتى فاق مَن سبَقوه! وكم ثبطت مثل هذه الكلمة نوابغ وصدَّتهم عن العلم بعدما رُجي لهم تحقق ما طلبوه، وذكر القفطي في أنباه الرواة عن المفسر الأديب الشافعي سليم بن أيوب الرازي-رحمه الله- (انه تفقه بعد الأربعين من عمره .. وكان يحاسب نفسه على الأوقات ولا يترك وقتًا يمضي من غير فائدة) . [3] ،

(1) راجع في ترجمة الكسائي: معرفة القراء الكبار (1/ 100) ، الذهبي، النشر (1/ 172) ، لابن الجزري، الأعلام (5/ 14) للزركلي.

(2) رواه الطبراني وغيره، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، وصحيح الجامع.

(3) أنباه الرواة (2/ 70) القفطي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت