حجة الإسلام الغزّالي ألهمَه اللصوصُ مفتاحَ العلم!
عشتُ خلال هذه الرحلة مع علماءَ ودعاةٍ في قلب التاريخ، ومع أمثالهم في قلب الحدَث، اجتزتُ بحورَ الزمن إلى أبي حامد الغزالي، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري، وصحبته في السفر من طوس إلى (جرجان) ؛ لسماع دروس الإمام"أبو نصر الإسماعيلي"، وفي أثناء عودتنا إلى بلدته (طوس) قطع اللصوصُ علينا الطريق، وأخذوا من (أبي حامد) مخلته التي فيها كتبه وكراريسه؛ ظنًّا منهم أن فيها نقودًا ومتاعًا، وساروا في طريقهم، فتبعهم (أبو حامد) وأخذ يلحُّ عليهم أن يعطوه أوراقه وكتبه التي هاجر من أجلها ومعرفة ما فيها؛ وقال لهم: خريطتي لا تُفيدكم بشيء أعيدوها إلي.
فقال له رئيسهم: وماذا في الخريطة؟ قال: قلتُ: كتُبي: علوم درستها وهي محفوظة في هذه الخريطة.
فضحك كبير اللصوص وقال له: كيف تزعم أنك عرفت عِلمها وعندما أخذناها منك أصبحتَ لا تعلم شيئًا وبقيتَ بلا علم؟!
ولكنه أشفق عليه آخرًا وسلّمه الكتب.
ثم أطلقوا سراحهم ..
يقول الغزالي: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظتُ جميع ما علقتُه وصرت بحيث لو قطع عليَّ الطريق لم أتجرد من علمي.
وكان هذا الدرس عظيم الأثر في حياة أبي حامد؛ فبعد هذه الحادثة صار الغزالي يستظهر كل ما يقع تحت يده حتى لا تصبح له حاجة إليه إذا ما تناولته أيدي العفاء، وعندما وصل إلى"طوس"مكث ثلاث سنوات يحفظ ما كتب في هذه الأوراق، حتى لا يتعرض علمه للضياع مرة أخرى.