وزير العلماء
شغل كثيرٌ من العلماء مناصبَ في الدول التي عاشوا فيها، ونفع الله بمناصبهم تلك في شؤون الدِّين، وكذلك في شؤون الدُّنيا؛ لأنهم أرادوا من وراء هذه المناصب مرضاة الله تعالى، ويحفظ لنا التاريخ من أسماء هؤلاء العلماء ملوكًا وأمراء ووزراء وما دون ذلك، فمِن هؤلاء صديق حسن خان صاحب التآليف المبدعة الرائعة؛ ومنها كتاب الروضة النديَّة وغيرها، فقد كان وزيرًا وزوجًا لملكة بهوبال من أعمال الهند، وكان يلقَّب بأمير بهوبال، ومنهم محمد بن إبراهيم الوزير صاحب كتاب"العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم"، في اليمن، ومنهم صاحب قصَّتنا هذه ابن حزم، وَزَرَ لخلفاء كثيرين، وهو وزير ابن وزير؛ فقد كان والده يرأس الوزارة أيضًا لخلفاء دولة بني أميَّة في الأندلس، فنشأ صاحبنا أميرًا في هذه البلاد"الأندلس"، تلك التي ينبئ اسمها عن ترف، ومَغَانٍ، ورياض فيحاء، وخصب طيب، ومروجٍ خضراء، ومناظر مبهجة، زيَّنها بها ربُّ العالمين، حتى كانت - بحقٍّ - فردَوسًا من فراديس الأرض، وكانت ريحانة أرض الإسلام، حتى إننا لا نعجب أن يبتدئ صاحبُنا حياتَه بالكتابة عن"العشق والعشَّاق والإلف والألاف، كتابة من ذاق طعمَ الحب، وعرف ما تعتلج به نفس المحبِّ، وما يختلج في ثنايا صدره من لواعج العشق" [1] ، حتى لقد وصفه ابنُ القيم بأنَّ كلامه في العشق تنماع فيه نفسه انمياعًا [2] ، وهذا مظهر النفس العطوف الألوف في صاحبنا، صنعتها الطبيعةُ التي حولها والبيئة التي تضمُّه، تمدَّانه بصفاء ورقَّة حسٍّ وإرهاف ذوق، مع رقَّة أسلوبٍ وجمال تعبير وحسن تصوير، لكن في خلوٍّ من العلم والفقه إلا بعض ما كان قد تعلم في صِغره ما يتعلمه من هو في مثل مكانته من حفظ القرآن والأشعار، وتعلم القراءة والكتابة، وإذا عرفنا أن ذلك كان على أيدي النساء، عرفنا إلى أي مدًى وصلَت تلك النفس اللعوب، لكن في عفَّة واستقامة نفس ظاهرتين.
فلا نتعجَّب ونحن نقرأ في معجم الأدباء كلام ياقوت الحموي راويًا عن أبي محمد بن العربي ما نصه:
(1) ابن حزم (8) ، أبو زهرة.
(2) روضة المحبين، ابن القيم، نقلًا عن ابن حزم (8) ، أبو زهرة.