الصفحة 34 من 52

وعنَّفه، وقال: تَهجُم على داري، ثم تقول: حدثني، وأنا على هذه الحالة؟! قال: إني أخشى الفوت، فروى له الحديث في قلَّة الحياء، وحلف ألا يُحدثه بسواه، وفي الجملة لم يدرك القعنبي شعبة إلا في آخر أيامه، فلم يكثر عنه". [1] "

وفي سيرة القعنبيِّ فوائد جمَّة أولاها بالتأمُّل أن الماضي السيِّئ يمكن للإنسان أن يتجاوزه بسهولة ويقفز عليه إلى مستقبل مُشرق يُقابل هذا الماضي سوادًا ببياض؛ يقول المعنيّون بطبائع الطيور المهاجرة -كما يقول العقاد-:"إنها قد تضلُّ طريقها مرّة أو مرّتين أو ثلاث مرّات على الأكثر، ثم لا تلبث تلك الطيور أن تتجه إلى وجهتها وتستقيم عليها إلى أقصاها"، فلا تيئس وحاول، ومن نظر في سيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية ثم الإسلام استبان له هذا المعنى وظهر له بجلاء، فلا يمنعنَّك ماضيك السيئ أن تطلب المعالي، ولا يثبّطنّك شيطانك عن الحسنات والهدى إذا أورد على خاطرك ما تلبَّسْتَ به أمس من السيئات والضلال، فإن أعرضت عنه ارتفعت إلى العلا، وإن استمعت له هويت إلى الرَّدى.

(1) سير أعلام النبلاء (261/ 10) ، الذهبي، وهناك قصة ثالثة في سبب عدم تحديث شعبة إياه بغير هذا الحديث، وهي ما ذكره ابن نصر البخاري في [مجلس من إملائه (ق / 10 / ب) ] قال:"ما روى القعنبي عن شعبة غير هذا الحديث؛ وذلك أنه قال له شعبة:"أتتركني في بلد وترتحل إلى مالك؟!"فألحَّ عليه القعنبيُّ وأخذ بلجام دابَّتِه فحدَّثَه بهذا الحديث، وحلف شعبة أن لا يُحَدِّثَه، والله أعلم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت