الصفحة 27 من 52

صانع الكساء .. شيخ النحاة والقراء

من هو علي بن حمزة، ذلك المرء الذي تعلَّم النحو على كِبَر فلم يَصِرْ إمامًا للنُّحاة فحسب، بل صار إمامًا للغة العربية بفروعها، وأحد أئمَّة القراءة السبعة؟

كان عليٌّ هذا رجلًا عاديًّا، وكان يعمل ببَيع الملابس، وكان مع ذلك كان يتردَّد على بعض الحلقات أوقات راحته من العمل أو بعد فراغه منه طلبًا لمعرفة الواجب عليه في دينه، كما كان ذلك شأن المسلمين في سابق الزمان وخيِّره.

وصار"عليٌّ"يلتقط بعض الكلمات والجُمَل، ويفيد من بعض الشيوخ مسائل وقواعد، وكأنَّما لمس مِن نفسه ذلك؛ فصار يحافظ على حضور الدروس لا سيَّما دروس علم النحو، وكان ذكيًّا لماحًا يَحتفظ بما يسمع في ذاكرة ألمعيَّة.

كان"عليٌّ"من أهل الكوفة واستوطن بغداد، وفي يوم كان يجلس في حلقة من حلقات العلم يتدارَسُ أهلُها كلام العرب نحوًا وصرفًا، وسمع المعلِّم يسأل طلابه سؤالًا، فأحبَّ الكسائي أن يجيبَ فنظر طلاب الحلقة إليه متأفِّفين يقولون: وهل لبائع الأكسية بذلك اهتمام؟

وقيل: كان سبب توجُّهه إلى الطلب ما ذكر الفراء أنه جلس يومًا إلى قوم وقد تعبَ مِن المشْي فقال: عييتُ، فقالوا له: تُجالسنا وأنت تلحن؟! إذا أردت التعب فقل: أُعييت، وإذا أردت انقطاع الحيلة فقل: عييت، فأنِفَ مِن هذه الكلمة ولزم الشيوخ حتى ملأ علمُه وذكرُه الدنيا وشغل الناس. [1]

وكانت الكلمة صادمة لنفسِه المتشوِّقة، ورُوحه الولوع، وهمَّته الرفيعة، وشاء الله أن تثبَ الكلمةُ في نفسِه مِن جانب التثبيط إلى جانب التحدِّي، وكان مِن أثر ذلك أن لَزِمَ مجلسَ عمرو بن العلاء وخدَمه سبع عشرة سنة، وجلس كذلك في حلقة الخليل وقد حوَّلته الكلمة إلى جذوة نشاط؛ فقد سأله يومًا:

(1) كما في تاريخ بغداد (11/ 404) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت