الصفحة 28 من 52

عمَّن أخذتَ هذا العلم؟ فقال له الخليل: من بوادي الحجاز، فعزم الكسائي أمْرَه ورحَل إلى هناك فكتَب عن العرب شيئًا كثيرًا، ثم عاد إلى الخليل فوجده قد مات وتصدَّر مكانه يونس، فجرت بينهما مناظرات أقرَّ يونس للكسائي فيها بالفضل وأجلسه في موضعه.

فصار من بائع كساء عاديٍّ - ككثير من الناس - إلى إمام من أئمة النحو واللغة.

ولك أن تعلم أنَّ الدنيا حين افترقت في النحو - بعد ذلك - افترقت إلى فريقين؛ كوفيٍّ وبصريٍّ؛ فكان الكوفيون شيخهم الكسائي، كما أنَّ البصريين كان شيخهم سيبويه.

وكان من أثر ذلك هذه المناظرات التي جرت بين الكسائي وسيبويه وعموم شيوخ الكوفيين مع عموم البصريين النُّحاة من كلٍّ.

حتى قال الشافعي: من أراد أن يتبحَّر في النحو فهو عيِّل على الكسائي.

ولك أن تعلم أيضًا أنه صار من أئمة القراءات المَعدودين في الدنيا؛ فقد انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة بن حبيب الزيات، وبلغ من علوِّ همَّته في ذلك أن حمزة كان يقول لتلامذته: اعرِضوا هذا الرأي على صاحب الكساء؛ لأنه كان يتَّشح بكساء ويَجلس في مجلس حمزة.

وقيل في سبب تسميته بالكسائي أقوالٌ أخرى، منها: أنه أحرم في كساء، وقيل: لأنه كان على حداثة سنه يبيع الكساء - كما أسلفنا - وقيل: لأنه كان من قرية مِن قُرى السواد يقال لها باكسايا.

الشاهد أنه لازم حمزة وأخذ القراءة عرضًا عنه أربع مرات، حتى إذا مات حمزة انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة، وصار أحد القرَّاء السبعة، حتى قال أبو عبيد في كتاب القراءات:"ليس هناك أضبط للقراءة ولا أقوم بها من الكسائي".

ولك أن تعلم - كذلك - أن الكسائي حين مات قُبض هو ومحمد بن الحسن - تلميذ أبي حنيفة وإمام الأحناف بعده - بالريِّ في يوم واحد، وكانا خرَجا مع الرشيد، فلما دُفنا قيل فيهما: دفن النحو والفقه في يوم واحد، وذلك سنة 189 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت