عالِمٌ بين محنتين؛ رافعةٌ وقاتلةٌ
في الأهواز الحبيبة، من أرض فارس، نشأ صاحبنا، فما أن شبَّ حتى انتقل به أبوه إلى البصرة وهي يومئذ مركز العلوم ومصنع العلماء. [1]
كان صاحبنا شابًّا حسنًا جميلًا، حتى إن الناس اشتقُّوا له لقبًا من حسنه وجماله، عرفه به الناس ونسوا اسمه.
عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، ذلك اسمه؛ وأما لقبه فهو (سيبوَيْهِ) ومعنى هذا اللقب - كما يقول إبراهيم الحربي: سُمِّي سيبويه؛ لأن وجنتيه كانتا كالتفاحتين، بديع الحسن. [2]
وكان سيبويه مفرط الذكاء، يُعرف ذلك فيه صغيرًا، ولذلك تعلق من كل علم بسبب، وضرب بسهم في كل أدب مع حداثة سنِّه؛ فقد انطلق يصحب المحدِّثين والفقهاء حيث ميله ومرادُه، فكان يستملي على حمَّاد بن سلمة في حلقته ليكتب الحديث ويرويه، لكن شاء الله أن يكون سيبويه لغير ما طلب وما أراد؛ ففي يوم من الأيام سأل التلميذ شيخه حماد بن سلمة فقال له: أحدَّثك هشام بن عروة عن أبيه في رجلٍ رعُف في الصلاة، بضم العين؟
فقال له حمَّاد: أخطأت؛ إنما هو رعَف بفتح العين.
فانصرف سيبويه إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أستاذ النُّحاة، فذكر له ما كان بينه وبين حماد، فقال له الخليل: صدق حمَّاد! ومثل حماد يقول هذا، ورعُف - بضم العين - لغة ضعيفة. [3]
وفي ذلك لفتة لنظر التلميذ الناشئ إلى العناية بعلم التصريف ليضبط بناء الكلمة، ثم يتكرَّر مثل هذا الموقف مرة أخرى، فبينما هو يستملي على حمَّاد قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما أحد من أصحابي
(1) انظر في ترجمته:"سير أعلام النبلاء" (8/ 351) ؛ للذهبي، و"تهذيب الكمال" (8/ 332) ؛ للمزي، وقد استوعبها العلامة عبدالسلام هارون في مقدمة"الكتاب"لسيبويه.
(2) سير أعلام النبلاء (8/ 351) .
(3) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (4/ 84) ؛ للمقري.