الصفحة 7 من 52

إلا وقد أخذتُ عليه ليس أبا الدرداء )) [1] ، فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء بالرفع، وقد خمنه اسم ليس، فقال له حمَّاد - وكان شديد الأخذ:"لحنتَ يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبتَ، وإنما (ليس) ها هنا استثناء"، فكان أن أَنِف سيبويه من ذلك وقد أخذ قراره، فقال: لا جرم لأطلبَنَّ علمًا لا تلحنني فيه أبدًا، فطلب النحو، ولزم الخليل فبرع [2] .

وفي رواية مجالس العلماء للزجاجي أنه لزم مجلس الأخفش مع يعقوب الحضرمي والخليل وسائر النحويين.

وخبر آخر يرويه حماد بن سلمة أنه جاء إليه سيبويه مع قوم يكتبون شيئًا من الحديث، قال حماد:"فكان فيما أمليتُ ذكر الصفا، فقلت: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا" [3] ، وكان هو الذي يستملي فقال:"صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفاء"، فقلت: يا فارسي، لا تقل الصفاء؛ لأن الصفا مقصور.

فلما فرغ من مجلسه كسر القلم وقال: لا أكتب شيئًا حتى أُحكِمَ العربية [4] .

وهذه الحوادث وما كان في معناها هي التي حدت بسيبويه إلى العناية بتعلم النحو.

فدفع حماد بسيبويه إلى حذق النحو بسبب تلحينه إياه في هذه المسائل، فكان بذلك ممن اشترك في صنع سيبويه الإمام النحوي [5] .

وكأني ألمس في حكاية حماد لهذه القصة أنه كان يذكرها بعدما علا ذِكرُ سيبويه وارتفع شأنه واستبانت في النحو إمامته، ففيها من أمارات الفخر والاعتزاز من الأستاذ بالتلميذ الكثير، كأنه يريد أن يقول: إن هذا التفوق مِن هذا اللحن.

(1) أخرجه الخطيب في الجامع برقم (1202) ، في هذه القصة أيضًا، ولا يُعرف عند المحدِّثين، أما المعروف عندهم: عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من أحد من أصحابي إلا لو شئت لأخذت عليه في خلقه ليس أبا عبيدة بن الجراح ) )؛ أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 266) ، مرسلًا ووثَّق رجاله، ووافقه الحافظ في الإصابة، لكن ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (9/ 454) .

(2) معجم الأدباء (3/ 1199) لياقوت الحموي.

(3) انظر - مثلًا - حديث البخاري (4971) ، عن ابن عباس.

(4) مجالس العلماء (154) .

(5) نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت