وتلك هي المحنة الأولى؛ الرافعة.
لقد تخرج سيبويه على الخليل بن أحمد ولازمه كظلِّه، فاستقى علمَه كله فبرع حتى صار إمامَ النُّحاة، وحُجَّةَ العرب، وساد أهل العصر، ومن وراءه، وكان أول من بسط علم النحو، وألّف فيه كتابًا لا يُدرَك شأوه فيه صار حجة العربية ودستورها.
وهكذا؛ لا يُذكَر علماءُ النحو إلا وُضع سيبويه أمامَهم حتى قالوا:"كان سيبويه غاية الخلق"، ولا تُذكر كتبُ النحو إلا كان"الكتابُ"الذي ألفه سيبويه إمامَهم، حتى سموه:"قرآن النحو"، ومن طريف ما يروى أن أحد نحاة الأندلس - وهو عبدالله بن محمد بن عيسى الأسلمي - كان يَختم كتاب سيبويه في كل 15 يومًا؛ كأنما يتلوه تلاوة القرآن [1] .
وأما المِحنة التي قتلته فحدثت له في آخر حياته، وكان سيبويه قد تربَّع على عرش سلطان النحو وكان ممن يقاربه في هذا العلم الإمام الكسائي إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد القراء السبعة؛ ولئن كان البصريون لا يقدِّمون أحدًا على سيبويه ولا يرفعون رأي أحد فوق رأيه، فلقد كان الكوفيون يفعلون ذلك أيضًا مع أبي الحسن الكسائي، بل لقد كانت المدرستان في ذلك الوقت - وظلَّتا بعد ذلك - تتنازعان الرأي في اتجاهين مختلفين في غالب مسائل النحو والتصريف - وكان أن أحبَّ سيبويه أن يقارن علمَه بعلم الكسائي وتطلَّع إلى مناظرته، وقد جرت هذه المناظرة في مجلس يحيى بن خالد البرمكي وزير هارون الرشيد، وهذه المناظرة هي أشهر المناظرات النحوية على الإطلاق، وقد عرفت بـ"المسألة الزنبورية"؛ إذ لم تنل مناظرة من مناظرات النحاة قديمًا ما حظِيت به هذه المناظرة من اهتمام الدارسين الأقدمين والمُحدَثين، وتكمن أهميتها في أنها تمَّت بين عالِمين يمثّلان مذهبين نحويين مختلفين هما: سيبويه والكسائي، صار أَولهما إمام نحاة البصرة، وصار الثاني شيخ نحاة الكوفة [2] .
وحول هذه المسألة حيكت روايات ونُسجت أقاويل.
(1) الوافي بالوفيات (5/ 485) ، الصفدي.
(2) المسألة الزنبورية وأوليات الخلاف النحوي، المقدمة، الدكتور هاني عبدالكريم فخري.