قمر القرن الرابع عشر الهجري
مثلما يولد الصبح من رحم الليل، وُلِدَ هذا الكوكب الدريُّ في ظلمة من فوقها ظلمات!
كان ذلك في مطلع القرن الرابع عشر الهجري في مدينة أشقودرة، في أسرة فقيرة متديِّنة، نشأ محمد - وذلك اسم صاحبنا - حيث كان يغلب على بلاده الانحراف نحو الحضارة الغربية العلمانية بشدة لا تُقاوَم، مما اضطر رب الأسرة والده الشيخ"نوح"أن ينجو بأهله وأبنائه من هذه الفتن، فاختار بلاد الشام ليعيش فيها، وكان أن قطن سوريا وأقام فيها، وهكذا بدأت حياة (محمد) بتقلبات مريرة لم تكن الأخيرة في حياة الصبي اليافع، بل تدافعت عليه التقلبات بين شدة حياة، وقلة ذات اليد، وضيق أفق الناس، وسجنٍ لأجل الدعوة، وعُدوانِ متعصِّبي المذاهب ومشايخ الصوفية والخرافيين والمبتدعة.
لكن أعظم هذه التقلبات أثرًا في حياته، والذي كان بمثابة الصفعة التي صنعت منه قمر زمانه وأزمنة مديدة بعده لن تزال بالخير تذكره إن شاء الله، قد بدت من اليوم آثارها: طردُه من بيت والده.
نعم، فقلد كان الشيخ الشابُّ حرًّا لا يتقيد بمذهب من المذاهب، رغم أنه درس المذهب الحنفي على والده وشيخه"سعيد برهاني"، غير أنه كان يأخذ من المذهب ما وافق الدليل ويرد ما سواه، وكان اطَّلع على شيء من علم الحديث، وتفتَّحت نفسه له، وأقبل عليه، ومن ثم كثرت المناقشات بينه وبين والده، لا سيما وأنهما متجاوران في العمل؛ فقد كان"محمد"يعمل مع والده في المحل، وكان لديهما من الفترات الطويلة فراغ، فكان يحدث بينهما نقاش يتحول كثيرًا إلى صدام؛ إذ كان الوالد متعصبًا للمذهب لا يُغادره، يقول محمد عن ذلك: فإذا ضاقَ بالبحث ذرعًا - وأنا شابٌّ طويل النفَس، وهو كان كهلًا بل شيخًا، ولم يكن عنده صبر على هذا - إذا ضاق بالبحث ذرعًا ولم يجد حجةً يرد بها كلامي، فكان يقول كلمته الدارجة: أنت تعلَّمتَ الحديثَ، وعلم الحديث صنعة المفاليس!