ولقد بلغ السَّيل بينهما زباه حينما جمع الابن الشاب كتيبًا صغيرًا تحدث فيه حول عدم جواز الصلاة في المسجد الأموي؛ لأن به قبرًا، والصلاة في المساجد التي فيها قبور لا تجوز، وزاد الطين بلَّة قصة صلاة الأحناف!
وقد كانت المساجد في هذا الوقت - ويا للعجب - فيها محاريب بعدد مذاهب أهلها الموجودين بها، وكان المسجد المُجاور لبيت الشيخ"نوح"به شافعية وأحناف، ومذهباهما لا يَجتمعان على صلاة الفجر؛ كان الشافعية يصلون أولًا ثم يَعقبهم الأحناف بعدها! وقد حافظ الابن الشابُّ على صلاة الفجر خلف الشافعية؛ ليقينه أن الجماعة الأولى هي جماعة المسلمين، ولا صحة لانتظار فريق منهم انتهاء الصلاة الأولى ليُقيموا جماعة ثانية بعدها!
وثارت ثائرة الوالد"نوح"على ابنه"محمد"، حتى كان من قوله له:"إن هذا الوضع القائم الآن لا يستقيم، أنت تجدُّ في مخالفتي، وأنا لا أطيق هذه المخالفة؛ فإمَّا أن توافق، وإمَّا أن تفارق"!
فقال الابن لوالده: أمهلني ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام قال: أنا لا أستطيع أن أخالف ما أعتقد أنه دين، وفي نفس الوقت لا أستطيع أن أُزعجك وأن أبقى معك، فأنا أختار المفارَقة.
وفعلًا فارق الشاب - الذي لم يتجاوز العشرين - الدار، وقد أعطاه أبوه يومَ فارقه - أعطاه وهو خارج من الدار - خمسًا وعشرين ليرة سورية فقط، وخرج من داره لا يملك دينارًا ولا درهمًا، يعمل ليكتسِبَ قوته بنفسه، ويجدُّ مع ذلك ليتعلم ويقرأ، وقد ساعدته مهنته"الساعاتي"على أن توفر له وقتًا كبيرًا للاطِّلاع، وقد كان الشاب متيَّمًا بالعلم، شغوفًا بالقراءة واقتناء الكتب، حتى إنه من شدَّة العنت والفقر الذي عاشه كان لا يَملك ورقة يَشتريها ليُسوِّدها بما مَنَّ الله تعالى عليه من علمٍ فيها، فكان يَطوف في الشوارع والأزقة يبحث عن الأوراق الساقطة فيها مِن هنا وهناك ليكتب على ظهرها؛ وذلك لأن وجه الورقة يكون عادة مكتوبًا فيه إمَّا دعوة لافتتاح معرض، أو حفلة زواج، أو دعاية لمصنوعة من المصنوعات، وكان يشتري الأوراق (سقط المتاع) بالوزن لرخصِه، يكتب عليها ويذاكر ويؤلِّف.