وقد ذكرها ابن الأنباري في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف [1] قال: لما قدم سيبويه على البرامكة طلب أن يُجمع بينه وبين الكسائي للمُناظَرة؛ فحضر سيبويه في مجلس يحيى بن خالد وعنده ولداه جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم من الأكابر، فأقبل خلف الأحمر على سيبويه قبل حضور الكسائي فسأله عن مسألة فأجابه سيبويه، فقال له الأحمر: أخطأتَ! ثم سأله عن ثانية، فأجابه فيها، فقال له: أخطأت! ثم سأله عن ثالثة، فأجابه فيها، فقال له: أخطأت! فقال له سيبويه: هذا سوء أدب.
قال الفراء: فأقبلتُ عليه، وقلتُ: إن في هذا الرجل عجلةً وحدة، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أبون، ومررت بأبين؟ كيف تقول على مثال ذلك من: وأيت أويت؟ فقدر فأخطأ! فقلت: أعد النظر، فقدر فأخطأ! فقلت: أعد النظر، فقدر فأخطأ! ثلاثَ مرات يجيب ولا يصيب، فلما كثر ذلك عليه قال: لا أكلمكما أو يَحضر صاحبُكما حتى أناظره.
وكأنما فعل خلف والفراء ذلك ليُخضدا شوكة سيبويه قبل لقائه للكسائي أستاذهما!
قال فحضر (الكسائي) ، فأقبل على (سيبويه) فقال: تسألني أو أسألك؟ فقال: بل تسألني أنت، فأقبل عليه الكسائي فقال: كيف تقول:"كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو فإذا هو إياها"، فقال سيبويه:"فإذا هو هي، ولا يجوز النصب". فقال له الكسائي:"لحنتَ".
ثم سأله عن مسائل من هذا النحو نحو: خرجت فإذا عبدالله القائمُ أو القائمَ؟ فقال سيبويه في ذلك بالرفع دون النصب، فقال الكسائي ليس هذا من كلام العرب، والعرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع ذلك سيبويه ولم يُجِز فيه النصب.
فقال له يحيى بن خالد:"قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلدَيكما فمن ذا يَحكم بينكما؟"
فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرَين، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم فيحضرون ويُسألون.
فقال له يحيى وجعفر: قد أنصفتَ، وأمر بإحضارهم فدخلوا وفيهم أبو فقعس وأبو زياد وأبو الجراح وأبو ثروان فسُئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه فوافقوا الكسائي وقالوا بقوله، فأقبل يحيى بن سيبويه فقال: قد تسمع.
(1) الإنصاف في مسائل الخلاف (2/ 703) ، ابن الأنباري.