وأقبل الكسائي على يحيى وقال: أصلح الله الوزير، إنه وفد عليك من بلده مؤمِّلًا فإن رأيتَ ألا ترده خائبًا، فأمر له بعشرة آلف درهم فخرج وتوجه نحو فارس وأقام هناك ولم يعدْ إلى البصرة. [1]
فهل حقًّا غُلب سيبويه في هذه المناظرة وكان الظفر للكسائي؟
إننا إلى اليوم ندرس علم النحو والصرف ونقرأ اختلاف البصريين والكوفيين في كل مسألة حتى إنا لنعجَب لأنهما لا يتفقان! كأنما اتفقا على ألا يتفقا!
ثم يزداد عجبنا أحيانًا ويصل إلى حدّ الانبهار حين نعرف أن رأي الكوفيّين رجح على رأي البصريين؛ ذلك لأنه لا يحدث إلا نادرًا جدًّا ربما مرة أو مرتين أو ثلاثًا - في كثير جدًّا من المسائل.
وعمومًا فغالبًا ما يشعر الدارس أن النزعة الخلافية بين النحويين تذهب بهم - في كثير من الأحايين - إلى الإجحاف دون الإنصاف؛ فما بين دواعي شخصية وعصبية وسياسية ومنهجية جرى كثير من هذا الخلاف!
وقد فعلوها مع سيبويه؛ تحاملوا عليه وكان الحق معه - مطلقًا أو على الأقل من وجهة نظر بصرية - وتعصبوا للكسائي، ولم يكن الحق في جانبه؛ ذلك أن الحسمَ في تصحيحِ رأي العالمَين كانوا هُمْ أعراب الحطمة الذين رَجَّحُوا رأيَ الكسائي وهم الذين كان الكسائي يَأْخُذُ عَنْهُمْ وكانَ البصريون لا يعتدون بلغتهم، كما أَنهم قَدْ عَلِمُوا أَن الكسائي في حمى الرشيد.
شواهد وأدلة كثيرة تدل على أن ذلك الإخفاق لم يكن إخفاقًا علميًّا وإنما كان إخفاق مظاهرة علمية ليس لها وجه من الحق [2] ، بل من العلماء من يرى أن السياسةَ تَدَخَّلَتْ في النتيجةِ التي آلَتْ إليها المناظرة وهم كُثُر. [3]
(1) أكثر الكتب إلمامًا بهذه المسألة تجده كتاب (المسألة الزنبورية وأوليات الخلاف النحوي) للدكتور هاني عبدالكريم فخري الأستاذ المساعد في جامعة صنعاء، كلية اللغات.
(2) كتاب سيبويه، المقدمة (ص: 18) ، عبدالسلام هارون.
(3) المسألة الزنبورية وأوليات الخلاف النحوي، المقدمة.