الصفحة 36 من 52

"قال لي الوزير أبو محمد بن العربي، أخبرني الشيخ الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أنَّ سبب تعلُّمه الفقه أنه شهد جنازةً لرجل كبير من إخوان أبيه، فدخل المسجدَ قبل صلاة العصر والحفل فيه، فجلس ولم يركع، فقال له أستاذه - يعني الذي رباه - بإشارة: أنْ قم فصلِّ تحيةَ المسجد، فلم يفهم، فقال له بعض المجاورين له: أبلغت هذه السنَّ ولا تعلم أن تحية المسجد واجبة؟ وكان قد بلغ حينئذٍ ستة وعشرين عامًا، قال: فقمتُ وركعت وفهمت إذن إشارة الأستاذ إليَّ بذلك، قال: فلما انصرفنا من الصلاة على الجنازة إلى المسجد مشاركة للأحياء من أقرباء الميت، دخلتُ المسجد فبادرتُ بالركوع، فقيل لي: اجلس اجلس، ليس هذا وقت صلاة، فانصرفتُ عن الميت وقد خزيت، ولحقني ما هانت عليَّ به نفسي، وقلت للأستاذ: دلني على دار الشيخ الفقيه المشاور أبي عبد الله بن دحون، فدلَّني فقصدته من ذلك المشهد وأعلمته بما جرى فيه، وسألتُه الابتداء بقراءة العلم واسترشدته، فدلَّني على كتاب"الموطأ"لمالك بن أنس رضي الله عنه، فبدأتُ به عليه قراءةً من اليوم التالي لذلك اليوم، ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام وبدأتُ بالمناظرة". [1]

ومثل ركعتي تحية المسجد، سجدة السهو التي تَجبر الخَلل الذي يقع في الصلاة لم يكن ابنُ حزم وهو في هذه السن يدري عنها شيئًا؛ فقد ذكر أيضًا ياقوت عن تلميذ ابن حزم هذا قوله:"إني بلغت هذه السن - أي: سن ست وعشرين سنة - وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات". [2]

لقد كانت تلك الحادثة في حياة ابن حزم رحمه الله بمثابة أفعى رقطاء أفرغت سمَّها الزعاف في جسده، فطار إلى الطبيب يلتمس لها الدواء، فإذا ابن حزم يلومُ نفسَه على عدم العلم، فيتعهدها من يومها بالعلم، حتى إنه ليناظر أبا الوليد الباجي إمامَ المالكية في الأندلس فيغلبه في المناظرة، وذلك بعد حادثة المسجد هذه بسنين معدودة، وابن حزم بعد ذلك هو ابن حزم!

(1) معجم الأدباء (12/ 241،242) ، ياقوت الحموي؛ ورجّح العلامة أبو زهرة أن ذلك كان وابن حزم في سن السادسة عشرة من عمره، وقال عن الرواية: إنه قد"يكون في الكلام تصحيف من النساخ، وقد كتبوا بدل العشر عشرين"؛ لأسباب ذكرها، انظر كتابه ابن حزم (ص 11) .

(2) معجم الأدباء (12/ 241،242) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت